حمودي عبد محسن

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأحد 24/9/ 2006

 

 

موت كاتب
 


حمودي عبد محسن

كان يضع رأسه على يده المستندة على ذراعه ، ذراعه المستندة على الطاولة ، وقد بلغ به الضجر منتهاه حين استنفذ أعوامه الخمسين في الكتابة ، كان ضوء الطاولة الخافت يداعب عينيه السارحتين في بعد مجهول في غرفته التي يرى من خلال نافذتها بحيرة البجع المتجمدة في شتاء قارص شديد البرودة ، تاركا سرير النوم في الغرفة الثانية من شقته في الطابق الخامس ، سرير الراحة ، والإخصاب ، والوهن ، وقد يكون مكان الموت ، لم يدر كيف سيكون مكان النوم في هذه الليلة ، الذي تغط فيه زوجته في نوم عميق ، حاول أن يهرب من مكان النوم ، والهدوء ، ويضع رأس زوجته على ذراعه كما اعتاد في كل ليلة ، إذ كان مشدودا إلى الكتابة ، منسابا بإحساس متعة لا مثيل لها ، فيها نزاع قديم يسري في أعماقه ، لن ينتهي إلا حينما يتجمد الدم في جسده مثل تجمد مياه البحيرة ، حينئذ شعر أن حدثا هائلا سيقع له ، أنه يجهله ، ويجهل متى سيقع ، قد يكون في الهزيع الأخير من الليل ، لا يضاهيه أي حدث آخر ، تلك لحظات متداخلة مع هذيان الكتابة ، كل شئ يتشوه ، ويخرج من مصدر الوحي لديه ، والتوحد مع الآخر ، أن هناك شئ ما وراء هذا التوحد ، توحد صلب وأثير ، حاول أن يتقاطع مع كوكبه الذي يعيش فيه وينشأ كوكبه الخاص ، وتنفتح أمامه باب مدهشة ، يفجر لها هذيانه الداخلي ، ودندنته ، ورؤياه تتسع ، وتتشعب ، وهو مغمض العينين ، لأنه تعمد أن يغمضهما ليكتشف الوجه الآخر الحقيقي لكوكبه ، انفجار ضخم يأخذه من يده ، ويهدأ روعه دون صوت بشري رصين ، خفيف ينصت إليه ، يتبناه ، ويولد عليه ، ينقذه من هذيانه ، ويحتوي روحه الهائجة ، وهوسه في الكتابة ، قد لا توجد هذه اليد ، الهذيان ينبعث من عالمه الروحي اللامتناهي في رؤياه ، كانت روحه تعتصر غضبا في نصفه الآخر _ الكتابة _ ، لا يمكن أن تغيب عنه ، وهو يذوي إذا ذوت الكتابة ، أنه يشعر بالخوف من الكتابة أحيانا ، وأحيانا أخرى يكون مشاكسا ، متمردا في عالمه ، وليس بمستطاعته إلا أن يسبب لنفسه الألم ، ويغيب في حلمه ، أنه يستطيع أن يغيب مع شخوص تفاعل معها ، وشخوص أخرى ابتكرها لوحده ، تآلف معها ، أنه يغيب في خياله ، محاصرا بنظرات ثاقبة ، تبدو له أشبه بوميض ساحر منبثق من الظلام أو الليل المظلم ، وتخاطبه : ( كاتب…كاتب … ) ، لم يع أنه نفسه ، وهو يحمل كوكبه الصغير طوال عمره ، منذ أن كان صغيرا ، حينئذ شهد رعب كوكبه _ دمية _ تنتزع من يده ، ترافقها لطمة قوية على وجهه ، حيث كان يسير مع والده في السوق الكبير ، وانسل من يده في زحام المارة إلى معروضات محل ، والتقط _ دمية _ راح يفتش عن والده في الزحام كي يشتريها له ، إلا أن صاحب المحل مسكه من يده ، وسحب الدمية ، وصفعه على وجهه ، وأخذ منه الدمية ، وهو يلعنه ، فراح يبكي ، والدم يسيل من أنفه عائدا إلى البيت تاركا والده يبحث عنه في زحام السوق ، استقبلته أمه ، وحدثها عما جرى له ، هدأته ، وأوعدته أن تشتريها له ، واستحلفته أن لا يقول شيئا لوالده لئلا يغضب ، ويقتل صاحب المحل ، فكرر : ( أريد أن يقتله ) ، توسلت إليه ثانية ، فقال بخفوت : ( لن أقل شيئا لوالدي ) .كان متعبا طوال العمر أن يحمل معه أذى كوكبه الصغير في عالم يريده أن يكون مطيعا إلى الألفة ، يؤدي فيه أدوار مختلفة ، وهو لم ير نفسه ، ويرى الأدوار ، عرف بعضها ، ولم يعرف غيرها ، لا يريد أن يتشبه بها ، ولا يريد أن يكون مثل الغير ، أراد أن يكون هو غير متساو مع الآخرين ، يميز نفسه عنهم ، أراد أن يكون ذلك الشخص الملوح بالشمس ، ويلقي ظل الظلال عن أوصال وطنه الذي يجري تقطيع أوصاله ، وانكسار هيكله قطعا كثيرة التعقيد ، مشتتة ، متناثرة ، تفوق قدرته على فعل أي شئ ، عن أي شئ يكتب ؟! هذا ما سأل نفسه فكل ما حوله معذب ، بائس ، وهو يغيب في خياله ، يبدو له كوميض منبثق من الظلام أو من الليل المظلم ، أنه ذو لمعة خارقة لبصره ، ملتفتا وجهه إليه ، أذهله بياضه الساطع ، و أذهلته عيناه الواسعتان المكورتان ، إنه يتفرس به ناطقا بالصمت : ماذا تريد مني أيها الكاتب ؟! كان فاتحا فمه ، فرأى أسنانه البيضاء ، وفتحة منخريه ، محركا أذنيه ، وذيله ، جمال أخاذ لوجهه الملتفت إليه ، المرصع بالظلال بتعبير صامت ، لم يغضب أو يخور بثورة ، أنه في كامل منظره ، في كامل توازنه ، إنه ينظر إليه كما يريد ، لكنه لا يستطيع أن يمتلك أعماقه ، عيناه اللامعتان تشعان بالذكاء ، إنه يحاوره : ( عيناك الباكيتان أيها الكاتب ، ماذا تريدان ؟! ) ، أجل له قوة جبارة في الفحولة ، والإخصاب ، لذلك تمثل به كبير الآلهة زيوس ، فامتطته ابنة كنعان ، فمضى بها بعيدا ، واغتصبها ، وولدت منه مينوس ، لم يرد أن يكون مثل كبير الآلهة زيوس ، ولا يريد أن يكون عبدا له كي ينزل المطر من السماء ، ولا حتى إله السماء ، ولا يشبه نفسه مثل تموز حينما تناجيه عشتار : ( إليك يا ثوري البري … ) ، أو الأب الثور ، أو ثور العالم أو الإنسان الثور ، أو حتى كائن نصفه الأعلى إنسان ونصفه الأسفل ثور أو يصور برأس إنسان ملتح ، ولا يريد أن يستجيب إلى نداء عشتار للانتقام من كلكامش بعد أن عيرها بكثرة عشاقها ، وعدم إخلاصها لهم ، فطلبت من أبيها أن يعاقب كلكامش ، ويرسل له الثور المجنح ، الذي قتله مع صديقه انكيدو …لا…لا… أن كل وراء ذلك تسلط ، وفحولة ، إنه مخلوق كاذب هذا الثور الذي يتراءى له أبيض كان أم أسود …ففي اليوم الأول الذي وجد فيه نفسه الثور الإنسان انتابه الشك ، وفي اليوم الثاني تأكد أنه ليس الثور ، وفي اليوم الثالث أصابه الضجر ، وفي اليوم الرابع تأكد من الكذب ، وفي اليوم الخامس كادت روحه تختنق ، وفي اليوم السادس ضاغطا على نفسه لأنه لا يستطيع الفرار ، وفي اليوم السابع وضع خالقه رجل على رجل ، واستراح على قفه في عرشه ، هكذا بدأت كينونته كإنسان ، فليس له مأوى بين الثيران ، يمتلك قرنين ، وسنام الذي غالبا ما يصرع حين يغرز الرمح أو السيف فيه ، تلك مصارعة الثيران ، كل شئ صحيح وباطل في نفس الوقت ، عينا الكاتب قلقتان ، وجهه يعاني من ملامح الحزن ، متأملا ، غارقا في التفكير ، شيخوخة ، وعجز ، لحظة إبداع ، إلهام ، مسرور هو الآن ، أفكاره تزدحم ، تتناقض ، يقتفي أثرا ما ، ويصبها في قالبها ، أفكاره حبلى بالولادة ، شكل يثير الجدل ، حاجباه ترتفعان إلى أعلى ، عينان تنظران صوب المجهول ، تعبيره لم يكن غاضبا ، أنه هادئ الآن ، لكنه متعب ، وعابس من المأزق الإنساني ، من التوتر الذي يسبب له الوجع اليومي في القتل والتدمير ، يرفض صراع العنف في وطنه ، هناك طفل خائب خائف يختفي في زاوية من زوايا غرفته الموحشة الفقيرة ، وفي الحوش يذبح أباه ، وهناك شارع في بغداد يرى فيه عدد من القتلى يسيل الدم على أرجلهم ، أن الكاتب يستجمع أفكاره للقبض على لحظة الإبداع في تجسيد الألم ، أنه يقبض على المناخ الذي يعتصر روحه ، فتسقط ذراعه على الطاولة ، ويسقط قلمه ، وتتبعثر أوراقه ، وينام رأسه نومة أبدية تاركا الثور الأبيض والأسود فوق صفحات أوراقه .

7 .3 .2006