فائز الحيدر
الخميس 7/1/ 2010
ألم يحن الوقت لمناقشة ظاهـرة الطلاق بين الشباب المندائيين
فائز الحيدر
أطلعنا قبل عدة أسابيع على بيان وقعه الغالبية من الأخوة رجال الدين المندائيين في قضية تعتبر أحدى قضايا الساعة التي تواجه الطائفة المندائية حاليا" وتهدد مستقبلها ، وهي قضية زواج الشباب المندائيين من خارج الطائفة ، هذة القضية التي تحتاج الى حل عقلاني من جميع الجوانب الأجتماعية والدينية والأقتصادية وحتى السياسية ، يساهم بها جميع المندائيين بما يخدم القضية المندائية وأبنائها ، يحرم هذا البيان وحسب النصوص المندائية زواج المندائيين من الأديان الأخرى حفاظا" على مستقبل الطائفة وديمومتها وكما ورد في الكتب المقدسة والتعاليم الدينية المندائية ، ولتذكير أبناء الطائفة وخاصة الشباب منهم حول هذه القضية الحساسة .
ليس هناك شك بأن البيان جاء كما يتصوره الأخوة رجال الدين لمعالجة مشكلة دينية وإجتماعية حساسة لها أسبابها وظروفها الخاصة وتحتاج من الجميع التعاون للتوصل الى حلول عملية جذرية للوقوف على مسبباتها وعلاجها ، ولكن في نفس الوقت هناك مسائل أخرى تواجه الطائفة منذ سنوات ولغاية اليوم لا تقل خطورة عن الأولى في تهديدها لمستقبل الطائفة أيضا" ، ولكن مع الأسف لم يلتفت لها أحد ولم تعطى الأهتمام اللازم سواء من قبل رجال الدين أو من قبل أبناء الطائفة بشكل عام أو حتى من قبل الأسرة الواحدة ألا وهي ظاهرة الطلاق بين الشباب المندائيين والمحرمة بالديانة المندائية .
تشير الأثار المكتشفة الى إن الطلاق ظاهرة قديمة ، فالحضارة المصرية قد عالجت مسألة الطلاق وأعطت المرأة حقوقها ، كما أنصفت الحضارة البابلية وقانون حمورابي المرأة وحق طلبها الطلاق في حالات عدة ، وفي الحضارة اليونانية القديمة كان الطلاق بيد الزوج ينفذه لاي سبب ودون إجراءات ويتم بطريقة مهذبة دون أن يظلم المرأة وحقوقها .
أما في عصرنا الحاضر فأصبحت ظاهرة الطلاق من الظواهر الأجتماعية الشائعة ، وشملت جميع القوميات والأديان بما فيها الدين المندائي الذي يحرم الطلاق ، حتى أصبحت هذه الظاهرة قادرة على إحداث تحولات جذرية في نفوس الشباب المندائيين وعقولم وسلوكهم ومؤثرة في القضاء شيئا" فشيئا" على المبادئ والسلوك القويم التي تسعى الأسرة ألمندائية والمجتمع المندائي لزرعها في داخلهم . وتبدو هذه الظاهرة اليوم أكثر وضوحاً في المجتمعات الغربية منها في المجتمعات الشرقية حيث الهجرة العشوائية وغير المخطط لها وبسبب الحريات المتاحة وقوانين حماية المرأة ومبادئ حقوق الأنسان ، وهي ظاهرة مؤلمة لأنها تعني بالتأكيد إنهيار الأسرة ، ناهيك عن مشاعر الأحباط والأكتئاب النفسي وغير ذلك من المشاعر السلبية التي تترك آثارها في حياة الزوجين المنفصلين وما تسببه الى الأطفال من أمراض نفسية وأجتماعية ومستقبل مجهول .
يعزي علماء النفس والأجتماع الى إن أسباب الطلاق عديدة ، منها ما تتعلق بالناس أنفسهم أو بأوضاع الحياة العصرية وظروفها الأجتماعية والأقتصادية والسياسية والظروف المستجدة على الساحة ، حيث كان الزواج يعتمد في الماضي أساساً على وسائل إرتباط متنوعة مختلفة من بينها أعتماد طرف على طرف آخر إقتصاديا" وإجتماعيا" . أما اليوم فقد ضعفت هذه العوامل وأصبح الزواج يعتمد على الحب والعواطف فقط . وبما أن العواطف متقلبة في كثير من الأحيان ، فعندما يموت الحب بين الزوجين لا يبقى هناك من سبب لإستمرار هذا الزواج .
ويعتبر الزواج في الشريعة المندائية مقدس ومن أكثر الأمور إحترما"، وقد نصت أغلب الكتب الدينية المندائية وفي مقدمتها الكتاب المقدس ( الكنزا ربا ) على إحترام الرابطة الزوجية والحرص على ديمومتها والإلتزام بها ، وعلى تكوين علاقة متكافئة طويلة بين الزوجين خوفا" على الحياة الزوجية ، وإن الإخلال بهذا التكافئ سيؤدي بالتالي الى المشاكل اليومية التي عادة ما تنتهي بالطلاق .
لم يعرف المندائيين خلال تأريخهم قوانين أو شرائع تشجع على الطلاق إلا في فترة الثمانينات من القرن الماضي ، وخلال الحصار الأقتصادي الذي تعرض له العراق في التسعينيات ، حيث بدأت هذه الظاهرة تزداد شهريا" ولحد الأن وخاصة في دول المهجر ، مما يهدد ولحد كبير الأسرة المندائية والمجتمع المندائي فيما لو تركت بدون مناقشة علمية لمعرفة أسبابها والعمل على حدها وتحجيمها عبر ثقافة أسرية وبرامج توعية إحتماعية يساهم فيها كل من موؤسسات الطائفة المدنية والدينية والمثقفين المندائيين على مختلف إختصاصاتهم وأعتبار هذه القضية إحدى القضايا الهامة المطروحة اليوم على الساحة المندائية .
ومن المؤسف حقا" أن نجد بيننا من الأخوة المندائيين رجالا" ونساء" ومن مختلف الأعمار من يدعي بأن الطلاق أحدى سمات العصر ، ونتيجة طبيعية لحرية الرأي وحقوق الأنسان والأختيار الذي أصبح الجنسان من الشباب يتمتعان بها على السواء ، وبالتالي يحكمون على من يحاول مناقشة ظاهرة الطلاق على إنها ظاهرة سلبية في المجتمع المندائي بأنه ذو تفكير رجعي ومن زمن الديناصور يحاول الوقوف بوجه التيارات العصرية التي يحملها الشباب هذه الأيام .
وهنا يأتي السؤال ... لماذا تتركز حالات الطلاق بين الشباب بالذات في المهجر وبعد فترة قصيرة من الزواج ولأسباب بسيطة يمكن حلها بسهولة ؟ هل بسبب عدم الأنسجام والتفاهم بين الزوجين ؟ أم بسبب الأختيار الخاطئ لشريك الحياة وتدخل الأهل والضغط على الفتاة أو الشاب للزواج بمن يختارونه لهم ؟ أم بسبب الظروف الأقتصادية والنفسية التي واجهتها العائلة المندائية في الوطن وتواصلت في بلدان المهجر ؟ أم بسبب التفاوت في المستوى التعليمي والثقافي والعمر للزوجين ؟ أم بسبب شبكة الأنترنيت والجلوس أمامه لساعة طويلة وتكوين علاقات خارج نطاق الزوجية ؟ أم بسسب الأختلاف في رعاية وتربية الأطفال ؟ أم بسبب الأدمان على شرب المشروبات والمخدرات وإستعمال العنف ضد المرأة كل يوم ؟ أم كل هذه العوامل مشتركة ؟...
مع الأسف ومن خلال متابعتنا للكثير من حالات الطلاق التي نظرت بها المحكمة الشرعية المندائية في الوطن في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، لاحظنا إن العنف ضد المرأة بأشكاله المختلفة والظروف الأجتماعية والأقتصادية الصعبة وغيرها التي مرت بها العائلة المندائية في العراق في ذلك الوقت كانت أكثر العوامل التي أدت الى العشرات من حالات الطلاق ، أما اليوم ومن خلال متابعتنا أيضا" لكثير من حالات الطلاق التي تحدث بين الشباب المندائي في غالبية بلدان المهجر ، نرى إنها ظاهرة متفشية وأصبحت شائعة ومن الصعب التدخل بها لأنها تعتبر جزء من حرية الأنسان وحقوقه . وأكيد هناك أمثلة كثيرة مؤسفة يحتفظ بها الكثير من الأخوة المندائيين في المهجر عن حالات غريبة من الطلاق بين الشباب المتزوجين حديثا" تحدث بعد شهور أو أسابيع أو لربما أيام قليلة من الزواج أو حتى في الساعات الأولى لوصول الفتاة المطار للألتحاق بزوجها لتعلن رفضها لزوجها وتطالبه بالطلاق وبموافقة أهلها طبعا" . ومن خلال متابعتنا لبعض حالات الطلاق المؤسفة عن قرب لوحظ إنه كان من السهولة يمكان التدخل لحل تلك الخلافات التي أدت الى الطلاق لو تدخل الأهل من الطرفين وبحكمة للحفاظ على مستقبل هذه الأسر، ولكن مع الأسف نلاحظ العكس حيث التدخل السلبي للكثير من العوائل . إن هذه الحالات المؤسفة التي تحدث اليوم في المجتمع المندائي الصغير تهدد مستقبله وتحتاج الى حلول سريعة يساهم بها الجميع خوفا" من توسعها .
إننا نعتقد إن المشكلة ليس بالطلاق بحد ذاته وأنما ما يحدث للطرفين بعد الطلاق ، حيث تعاني المرأة المندائية المطلقة أكثر من الرجل من النظرة الدونية في مجتمعنا المندائي وترسباته وما ورثه من المجتمع العربي والأسلامي المتخلف الذي عشنا فيه لمئات السنين ، أضافة لنظرة البعض المتخلفة ، ولربما يكون الطلاق رحمة بالمرأة في بعض الأحيان يخلصها من العنف والعذاب اليومي مع زوجها ، ولكن يبقى السؤال هل تستعيد الزوجة حريتها ومكانتها في بيت أهلها وهي لا تحظى بالقبول الاجتماعي ؟ وكيف ينظر المجتمع المندائي وهو كأي مجتمع شرقي الجذور الى المرأة المطلقة ؟ وهل يراعي الأهل ومهما كانت ثقافتهم وتعليمهم مشاعر إبنتهم المطلقة التي جلبت لهم وصمة العار ؟ لا نعتقد ذلك !!!
فهنا تبدأ رحلة العذاب الثانية للفتاة مع الأهل ، من والديها وأخوانها وحتى من أقربائها ، فتواجه الفتاة بقائمة الممنوعات الطويلة ، ممنوع الخروج من البيت إلا بصحبة أحدهم ، وممنوع التحدث على الهاتف ، وممنوع العمل أوالدراسة ، تكرار كلمة أنتِ مطلقة ، فرض الآراء والأوامر عليها ، المعاملة القاسية بدون إحترام ، فتضطر الفتاة المطلقة لفرض العزلة الأجتماعية على نفسها للتقليل من أبعاد هذه الوصمة ، وإن كانت شجاعة وتتحمل الصدمة فالمجتمع سيعزلها تدريجيا" ، وتمتد الاثار السلبية لهذه الوصمة الى حد تقليل الفرص التي تتاح للفتاة المطلقة من إختيار زواج آخر مناسب لها ... فالإشاعات تطاردها حيثما تذهب وتصبح تصرفاتها تحت مجهر مجتمع قاس .. متخلف ..
كما إن الطلاق لا ينتهي عند حد إستلام المرأة ورقة طلاقها ، ولكن تداعيات الطلاق تمتد لما هو أبعد من ذلك، فالمجتمع المندائي يلقي بظلمه على المرأة لأنها فشلت في زواجها ، والتركيز الأساسي في المسؤولية يقع على عاتق المرأة وحدها دون غيرها ، وكأن كتبَ على المطلقة أن تعيش أسيرة زواج فاشل تتحمل أبعاده وحدها ولا يمكنها أن تستمر فيه ، وفي الأغلب تنهار مقاومتها وتسقط أسيرة الأمراض النفسية .. فإذا كانت الفتاة فوق سن الأربعين مثلا" يصعب زواجها مرة أخرى ، خاصة وإن أغلب الشباب المندائيين الذين عاشوا في المجتمعات الشرقية وحتى الغربية لا يفضلون الزواج من أمراة مطلقة حتى بدون معرفة أسباب طلاقها ، وقد يشجعها هذا الحال المؤسف على ترك دينها وإرتباطها بشاب ينقذ حالتها المأساوية مهما كان دينه ، وبذلك خسر المجتمع المندائي أسرة كان من الممكن أن تكون فعالة في المجتمع . إن المرأة المطلقة في مجتمعنا المندائي تعاني من أمور عديدة ، وخصوصاً في أسباب الطلاق وقصور المجتمع المندائي في تقصي وتشخيص الحقائق عن أسباب الطلاق والتي في بعض حالاتها يكون الزوج هو المسؤول الأول عنها ، وهذا لا يعني عدم تحميل الزوجة المسؤولية أيضا" ، فهناك الكثير من الحالات تكون فيها الزوجة هي المسببة لحالات الطلاق . ولكن مع الأسف إن المجتمع المندائي يركز على الفشل بحد ذاته كنتيجة يعتبر المسؤول عنها المرأة فقط رغم إن الرجل هو الذي يدفع بزوجته لمرحلة اللاعودة .
وبدون شك إن الأثار السلبية للطلاق لا تقتصر على المرأة فقط وإنما تشمل الرجل أيضا" ، فبعد الطلاق والأنفصال يشعر الرجل بفقدان الثقة بنفسه لفقدان زوجته وأولاده ، إضافة الى عدم السماح له قانونا" بحضانة الأولاد في معظم الأوقات وحسب القوانين في بلدان المهجر . ومن الصعوبة بمكان أن يجد الفتاة المناسبة له للزواج مرة أخرى بسبب فشله في الحفاظ على حياته الزوجية السابقة وتقدمه بالعمر .
فكلما زادت حالات الطلاق بين المندائيين ، زاد عدد الأبناء الذين تخسرهم الطائفة مستقبلا" ، ونعتقد إن حالات الطلاق اليوم توازي حالات الزواج من الأديان الأخرى . إن الطلاق بحد ذاته اليوم يشكل صدمة للأطفال ، حيث لا يجد الأطفال إهتماما" متكافئا" أو رعاية إجتماعية أو عونا" ماليا" من الوالدين مما يؤثر على صحتهم ومعنوياتهم ودراستهم ، وكلما زادت أعمارهم وتفهمهم لمشاكل أبويهم نراهم يتمردون أكثر ويلجأوا الى إستخدام المخدرات والمشروبات والتدخين كملاذ للأبتعاد عن المشكلة التي أصابت أسرهم وهذا بدوره يؤثر على دوامهم في المدرسة الذي بات متقطعا" إن لم ينقطع كليا" ، لذلك لا يشعر أبناء المطلقين بسعادة طفولتهم وهناء جو أسرهم لأنه مشحون بالنزاعات اليومية .
وهنا يمكننا ان نشخص بعض العوامل التي تشجع على الطلاق بين المندائيين الشباب في المهجر :
ـ توفر المساعدات الإجتماعية في بلدان المهجر الأطمئنان النفسي للمرأة المندائية وتجعلها أكثر حرية في إتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها الزوجية وخاصة إتخاذ قرار الطلاق ، ناهيك عن قوانين الأحوال الشخصية في هذه البلدان التي تحمي المرأة والأطفال وتخفف من نظرة الريبة والشك الموجهة للمرأة المطلقة .
ـ الأختيار الخاطئ لشريك الحياة بسبب ضغوطات وتدخل الأهل والأختيار من الأقارب بحجة المحافظة على وحدة العائلة ، مما ينتج عنه فيما بعد فقدان الأنسجام والتفاهم الذي يؤدي بالنتيجة الى الطلاق .
ـ ينظر الكثير من المندائيين على أن الطلاق هو حل للكثير من المشاكل العائلية المتراكمة التي يعاني منها الزوجان خاصة فيما يتعلقة بتربية الأولاد في المجتمعات الجديدة المنفتحة على الجنس والمخدرات والمشروبات والتدخين وتضادها مع العلاقات الإجتماعية والتقاليد المندائية حيث يختلف الزوجين في كيفية معالجتها .
ـ إن مساهمة المرأة في العمل ، وإمكانية الأعتماد على نفسها إقتصاديا" وإستقلالها ماديا" غير نظرتها الى الحياة ودورها كأم ، وأصبحت تعلم إنها تستطيع أن تعيل نفسها وأطفالها دون الإعتماد على زوجها التي لا تطيق العيش معه ، مما يشجع على التناحرات اليومية والتي تنتهي عادة بالطلاق .
ـ عدم وجود التوافق العاطفي بين الزوجين ، والنظرة الى إنجاب الأطفال تغيرت ، فأصبحت العائلة تكتفي بالقليل منهم لسهولة تربيتهم وإعطائهم الوقت الكافي ، وبالتالي يشعر الزوجين إن الطلاق في المستقبل بعد طفل واحد أفضل من عدة أظفال ، مما يسهل عملية الأنفصال وعدم التفكير في مسألة النفقة الخاصة بالأولاد في المستقبل .
هذه العوامل وغيرها مثل الغيرة والشك وقضاء ساعات طويلة خارج المنزل والتعرف على الجنس الآخر والسكن مع الأهل أو تدخلهم في حياة الزوجين سهلت من ظاهرة الطلاق وأعطت المبررات للتفكير فيه وإتخاذه بديلا" وحلا" للمشاكل العائلية اليومية .
وأخيرا" إننا نرى إن ظاهرة الطلاق تعتبر اليوم إحدى القضايا الحساسة التي تواجه المجتمع المندائي وتحتاج الى جانب القضايا الأخرى تعاون الجميع لأيجاد صيغ علمية وعملية للحد منها .
كندا في 6 / كانون الثاني / 2010