| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فائز الحيدر

 

 

 

الأحد 25/10/ 2009



المندائيون والحوار الديمقراطي

فائز الحيدر

(
أذا رأيتم حكيما" صادقا" فتقربوا إليه وخذوا من حكمته ، وإن رأيتم حكيما" شريرا" فأبتعدوا عنه ما إستطعتم إن حكماء الشر من أتباع الشيطان) ...  الكنزا ربا

تعرض المندائيون وطيلة تأريخهم الطويل الى أبشع أنواع الإضطهاد الديني والإجتماعي ، وتجسد هذا الإضطهاد بقوة بعد الإحتلال الأمريكي للعراق وسقوط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان / 2003 ووصول الأحزاب القومية والدينية الطائفية المتخلفة للسلطة ، والتي رافقها إنعدام سلطة الدولة والقانون ودخول العراق في دوامة من الصراعات القومية والطائفية والدينية . والتي أثرت بشكل مباشر على الأقليات الدينية ومنها بالأخص المندائيين حيث تعرضوا الى حالة الأبادة الجماعية حسب مفهوم الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الأنسان ، حيث القتل والخطف والتهجير والأغتصاب والأجبار على تغيير الدين ، وحدث كل هذا أمام أعين السلطات الحكومية ومسمع المرجعيات الدينية دون أن تحرك ساكنا" ، مما أدى الى هجرة الآلاف من المندائيين الى دول الجوار وهم يعيشون اليوم في ظروف مزرية ، ويفتقدون ألى أبسط الظروف الأنسانية وينتظرون ما تقدمه لهم المنظمات الدولية من مساعدات وما يجود عليهم أبناء جلدتهم من دولارات بسيطة ، ومن تبقى في الوطن لظروف قاهرة وخارجة عن أرادته فهو يعيش أيامه بصبر ورعب وتهديد دائم . أما العوائل التي حالفها الحظ وإستقرت بشكل نسبي فقد توزع أبنائها على بلدان عدة ومن الصعوبة جمع شملهم من جديد وهذه معاناة أضافية للعائلة المندائية خاصة وللطائفة المندائية عموما" .

وللحفاظ على ديمومة الطائفة ووحدتها وتقليل المسافات بين أفراد العائلة الواحدة المشتتة في بلدان عدة ، ولأيجاد وسيلة مناسبة للتخاطب وطرح الأفكار وتبادل وجهات النظر بين أبناء الطائفة في قضايا الساعة التي تحتاج الى حلول سريعة لغرض النهوض بواقع المندائيين المـأساوي ، أنشأ موقع الياهو المندائي قبل سنوات عديدة من قبل أبناء الطائفة المخلصين وأصبح عدد المشتركين فيه يتزايد يوما" بعد آخر . لقد قام الموقع ولا يزال يقوم بجهود كبيرة لطرح مواضيع جادة وهامة للنهوض بالطائفة وواقعها الى الأمام ، ساهم بها الكثير من رجال الدين والأدباء والمثقفين والفنانين والباحثين ورجال العلم المتخصصين .

وبدلا" من مناقشة ما يطرح على الموقع من آراء وأفكار بروح عالية من الشفافية وأحترام الرأي الآخر للوصول الى قواسم مشتركة يطالعنا بعض الأخوة مع الأسف وهم متلبسين برداء الدين بالتهم الجاهزة للمبادرين بها مستعملين مفردات لغوية مرفوضه من الجميع .

فبغض النظر عن ما يحمله البعض من الأخوة المندائيين من ثقافة وألقاب علمية في إختصاصات مختلفة نرى إن الأسلوب المتبع من قبلهم في ردهم على الأفكار والآراء المطروحة للنقاش يحمل لغة التعصب الديني ، التشنج ، التهديد ، الأقصاء وقمع الرأي الآخر وتعابير جديدة غير مألوفة مندائيا" وكأنهم أولياء على الطائفة والمتحدثين بإسمها وفي موقع سلطوي يبرر لهم ما يكتبون .... دون حساب .

أن هذا الأسلوب في الكتابة والذي يحمل في مفرداته عدم إتباع إسلوب الحوار المتحضر الناضج يدل على مستوى الكاتب الثقافي وضعف قدرته على أتباع الأساليب المتحضرة في طرح الآراء التي يحملها ، ومع الأسف لا زال البعض منهم لا يجيدون إلا هذا الأسلوب العقيم الذي مارسه الكثيرون من المندائيين بشكل خاطئ ولسنوات طويلة سابقة ، وتم تجاوزه في المؤتمر الخامس لأتحاد الجمعيات المندائية في المهجر الذي إنعقد في تموز / 2009 ، ومنها إستعمال تعابير ( الشواذ وأنصاف المندائيين ) وآخرها ما طلع به علينا السيد عماد عبد الرحيم الماجدي بما أسماه ( إحكام المرتد ، المارق الصابئي في الشريعتين الصابئية والأسلامية ) وهي تعابير إسلامية متخلفة لا تمت للمندائية بصلة .

إن هذه الكلمات والعبارات المرفوضة والتي من المفترض قد تم تجاوزها منذ زمن ونحن نخاطب مجموعة كبيرة من قراء شبكة الياهو من المندائيين الذين يملكون قدرا" كبيرا" من الثقافة والعلم والخبرة ولهم آرائهم الفكرية والثقافية ومعتقداهم السياسية الخاصة بهم . إن الأساءة للآخرين والإنتقاص من قيمهم وأفكارهم هو الأسلوب المفضّل هذه الأيام لدى هؤلاء المتعصبين والذين يدعون الحرص على الدين المندائي ووصل بهم تعصبهم الديني والفكري حد الجهالة ، لا يستطيعون أن يروا في هذا العالم المختلف سوى أنفسهم وأفكارهم ، حاملين لمن يخالفهم في الرأي التهم الجاهـزة بالشيوعية ومعاداة الدين والعداء للطائفة .

إن الحوار الديمقراطي يفترض أن يكون قائما" على إحترام الرأي والرأي الآخر والإبتعاد عن الإساءة بأي شكل كان عبر النقاش للأفكار والمواقف ، تسوده الصراحة والشفافية في طرح وجهات النظر وبدون أحكام مسبقة متبادلة وإمتلاك مجال واسع من حرية التعبير عن الرأي والرأي الآخر. إن مثل هذا الحوار سيكون بالتأكيد ذا فائدة متبادلة للمتحاورين أولاً ولقراء موقع الياهو المندائي ثانياً , ويساعد على فهم مواقف المتحاورين ويمهد الطريق لتقريب وجهات النظر ثالثاً .

إن القضايا التي يجرى عادة التحاور حولها إنما هي من القضايا الخلافية التي لا ينبغي لإحد أن يزعم لنفسه إمتلاك الحقيقة الكاملة بشأنها . لذلك فإن هدف المتحاورين ليس هو الدفاع عن قناعاتهم فقط وإنما محاولة الوصول الى قناعات مشتركة ومتكاملة بشأن القضية موضع البحث والمحاورة . وعلينا الإنتباه الى إن الحوار ليس معركة يجب كسبها ، او إنها يجب أن تنتهي بإنتصار أحد الطرفين وإندحار الطرف الاخر، وإنما هو مسعى حضاري ومعرفي على المستويين الذاتي والإجتماعي .

ويمكننا هنا نتساءل هل بيننا نحن المندائيين ، أناس متعصبين لأفكارهم ويرفضون الحوار وقبول الأخر . وهل يمكن إعتبارهؤلاء من المثقفين الذين يجيدون الحوار ويؤمنون به أم من الذين يدعون الثقافة ؟ ؟
إن الثقافة أيها السادة هي مقاييس أخلاقية وتراكم لنشاطات الأنسان ، ونظرة عامة الى كل جوانب الحياة الروحية والمادية التي تؤثر على السلوك والعادات وتهدف الى رفع مستوى الإنسان الى الأحسن والأفضل وهي تنتقل من جيل الى آخر عن طريق اللغة والعادات والتقاليد والقوانين والأعراف والأرث الأجتماعي . في حين إن المثقف هو من يمتلك الوعي والثقافـة والإطـلاع على الأشكال المتعـددة للثقافة وهو المرآة التي تعكس تلك النشاطات الثقافية . وهذا الأمر يتطلب منه عملا" وجهدا" مضاعفا" متواصلاً لحركة التطور لأنواع الثقافـة المتعددة في العالم . ومن يتخلف لايمكنه التواصل مع حركة التطور الثقافي وبالتالي فأنه سيتخلى ذاتيا" عن صفة المثقف . على من يدعي الثقافة أن يملك قدرا" معقولا" من التعليم والمعرفة تؤهله للتواصل مع مسيرة العلم والثقافة ، متمكنا" في اختصاصه ولا يؤمن بالخرافات والتطرف والتعصب بأنواعه ، و يؤمن بأسلوب النقاش والحوار الديمقراطي وعدم فرض آرائه بشكل تعسفي على من يحاورهم . أن يكون متزنا" ، متواضعا" ، عفيف اللسان ، مراعيا" لمعايير الأخلاق العامة والذوق العام ، والأخلاق السائدة في الأوساط الثقافية .

ومن ما ذكر سابقا" يمكننا أن ندرك إن للمندائيين مثقفيهم التي تتوفر فيهم كل الصفات السابقة ولهم ثقافتهم الخاصة التي إكتسبوها من خلال إطلاعهم ودراستهم ومن مجتمعهم وتراثهم ولسنوات طويلة . وهنا نستنتج إن ما يكتبه البعض على هذا الموقع ولغرض الأساءة للآخرين والتحريض على العنف والكراهية بين أبناء الطائفة وتحت عناوين مختلفة والتبرقع بستار الدين هو بالتأكيد غير صادر عن مثقفين مندائيين هدفهم الحرص على الطائفة ووحدتها بل هو من بعض المندائيين المتعصبين وفي كافة نواحي الحياة .

على المندائيين الذين يودون طرح أفكارهم والدخول في حوارات تفيد الطائفة ، عليهم الأبتعاد عن التعصب الذي يعبر عن الشعور بالضعف وعدم الثقة بالذات ‏.، فالإنسان المؤمن حقيقة بما يعتقد فيه والواثق من قدرته علي الدفاع عن معتقداته وأفكاره لا يحتاج إلي ممارسة أساليب التشنج اللفظي أو الإثارة الفكرية أو إطلاق التهم الجاهزة بل يعرضها ويدافع عنها بالمنطق والحجة والدليل ‏.‏ والسلوك العدواني الذي يمارسه المتعصبين تكشف عن ضعف داخلي وشعور بعدم القدرة علي الدفاع عن الآراء والأفكار التي يعتقدون يها ‏.‏ مما يؤدي بهم الى استعمال الضجيج والتشنج لأخفاء ضعف الأفكار التي يحملونها وسبل الدفاع عنها . ‏.

ومع الأسف نلاحظ إن نسبة ظاهرة التعصب بين المندائيين هذه الأيام أصبحت عالية مقارنة بعدد نفوس الطائفة القليل ، وهي ظاهرة جديدة بالتأكيد وليس من تراث الطائفة ، بل جاءت من مخلفات المجتمع العربي والأسلامي المتعصب والمتخلف الذي عاش به المندائيون لقرون عديدة ، مضاف لها الحملات الأيمانية المتتالية للنظام السابق وما تلاها ، وبسبب الظروف الجديدة التي يمر بها الوطن حاليا" والمد الديني المتطرف الذي يشل الحياة في كل مرافقه .

إننا نعتقد إن على المندائيين اليوم وبسبب الظـروف الصعبة التي يمرون بها ، أن يتحـرروا من التعصب وإتباع الفهم السليم للتعاليم الدينيـة المرتبطة بالأفكار المتنورة والثقافة الحـرة والتعايش والتسـامح مع الآخرين ، وتقبل الحـوار مع الرأي الآخـر والتمسك بمبادئ الديمقراطيـة وقيمها وبحقوق الأنسان التي تضمنها المعاهـدات والمواثيق الدولية جميعهـا في حـرية الرأي والمبدأ والعقيدة وأحترام الآخر ، وان يتحلى الجميع بروحية التسامح ونسيان الخلافات ، التسامح بمعناه الديني والاجتماعي والفكري ، فالتسامح يعني البساطة والشفافية في تناول الامور ، ومن يفقد التسامح سيفقد إنسانيته ، وسينحاز للتعصب والجهل والعنف .

وأخيرا" نتمنى أن يبقى موقع الياهو المندائي موقعا" للمحبة والحوار الديمقراطي والتسامح والتصالح ولتبادل الأراء الحرة وأحترام الرأي والرأي الآخر بعيدا" عن التشنج والقمع والتعصب ولنأكد الشعار إن المندائيين عائلة واحدة .


كندا في 25 / تشرين الأول / 2009



 


 

free web counter