| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فائز الحيدر

 

 

 

الأربعاء 11/11/ 2009



الأفكــار الهــدامة والحوار الديمقراطي ....

فائز الحيدر

يتذكر الكثير منا حكايات أمهاتنا التي كنا نستمع لها خلال طفولتنا بشغف مصحوبة بالخوف من الطنطل والكرطة والحوت والسعلوة ، تلك الحكايات أصبحت لمن تقدم منا بالسن وتعلم من الحياة وحصل على قليل من الثقافة والمعرفة والوعي مجرد خرافات لا وجود لها في حياتنا اللاحقة ، ولم تجد تلك الخرافات مجال في عقولنا وأفكارنا لمخالفتها العلم والمنطق . أما اليوم فقد أصبح الخوف من العلوم وكشف أسرار الكون والأفكار الحديثة لا يختلف عن الخوف من الطنطل والسعلوة أيام زمان ، فكلاهما مبني على الجهل بالحقائق العلمية والإجتماعية التي جاء بها العلم ليشبع بعض رغبات ألإنسان المتطلع إلى المزيد من المعرفة.

فلو تفحصنا تأريخ العراق السياسي لما قبل ثورة الرابع عشر من تموز / 1958 لوجدنا إن الخوف من المبادئ الوطنية واليسارية ( الأفكار والمبادئ الهدامة ) كان مرتبطا" بالجهل عن تلك المبادئ وضعف التعليم وأنتشار الأمية بين أبناء الشعب والتي وصلت الى ما يقارب 70% ، وعلى هذه النسبة العالية من الأمية والجهل فتحت أجهزة الأمن آنذاك جبهة العداء للأفكار الشيوعية واليسارية إنطلاقا" من عدم توفر المجال لدى الناس البسطاء من فهم ألأسس الفكرية لهذه المبادئ السياسية والأقتصادية ، وقيامها بإختلاق الأكاذيب والإفتراءات التي داعبت المشاعر الحساسة لمجتمع متخلف كالمجتمع العراقي فضربت على أوتار الدين تارة والأخلاق تارة أخرى لتعطي ألإنسان العراقي البسيط صورة مشوهة عن مبادئ وأفكار علمية هدفها ألأساسي تقويض أنظمة إقتصادية نشأت على نمط ألإنتاج الشبه إقطاعي كالنظام ألعراقي آنذاك ولتوفر لنفسها نوعا" من الحماية بإستخدامها سلاح الجهل المقيت هذا .
إن ما ذكرته هو مقدمة نود التعليق عليها بعد أن كتب البعض من الأخوة المندائيين في رسائلهم في الأيام الأخيرة وعلى موقع الياهو المندائي تعقيبا" على ما كتبه آخرين تحمل أفكارا" خاصة بهم وأطلق عليهم...( بحملة الأفكار الهدامة ) التي تسعى لتهديم الدين المندائي ، بالرغم من إن كلا الطرفين المتحاورين هم بلا شك من الحريصين على المندائية والدين المندائي ولكن الجهل وعدم المعرفة بأصول الحوار البناء أوصلنا الى هذا الأتهام المؤسف ،

عبارة ( الأفكار الهدامة ) أو المبادئ الهدامة هذه أعادت بي الذاكرة وكما يتذكر الكثير من الأخوة من جيلنا الذين عاشوا إنتفاضات ووثبات أواخر الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بالعراق وحتى سقوط الملكية في 14 تموز / 1958 ، الى تصريحات رئيس الوزراء نوري السعيد وبيانات وزير الداخلية سعيد قزاز ومدير الأمن العام بهجت العطية وغيرهم من زبانية الحكم الملكي المقبور ، التي كانت تتهم القوى الوطنية اليسارية والديمقراطية بحملة ( الأفكار أو المبادئ الهدامة ) ، وأصبح كل من يحمل الأفكار الوطنية ويطالب بالحرية والأستقلال والديمقراطية هو عضو في الحزب الشيوعي ومن حملة تلك الأفكار الهدامة المستوردة .

وأما في العهد الصدامي فقد تعرضت القوى اليسارية والوطنية الديمقراطية أيضا" الى حملات القمع والأضطهاد بسبب تلك ( الأفكار الهدامة ) وأصبح كل من لا ينتمي لحزب البعث هو من حملة الأفكار الهدامة . أما القوى الرجعية والدينية فقد وجدت في كل العهود فرصتها في التشجيع على توجيه هذه الأتهامات وإستغلالها وإصدار الفتاوى الدينية لمحاربة القوى اليسارية والوطنية .

أما على المستوى العالمي فقد وضع النظام الرأسمالي العالمي نفسه مدافعا" عن الدين والأخلاق في مواجهة تلك الأفكار التي عملت الرجعية الحاكمة وأنصارها على التعتيم على طابعها الفكري السياسي والإقتصادي ، وبرزت إلى الوجود آنذاك مفردة ( الأفكار الهدامة ) بشكل أكثر وضوحا" ..الى جانب ( نظرية الكفر والإلحاد ) التي تم تعزيزها بفتوى شرعية من قبل المرجعيات الدينية في العراق وغيره التي دعت الى العمل مع القوى الخيرة التي تحترم الأديان والشعائر الدينية والمتمثلة بأمريكا ضد قوى الكفر والإلحاد المتمثلة بالشيوعية العالمية .

إن مفهوم ( الأفكار الهدامة ) ، هو مفهوم سياسي وإيديولوجي كبير ، لا يمكن التعامل به بين أبناء الطائفة الواحدة والدين الواحد ولا يمكن أستعماله أثناء الحوار الديمقراطي المفتوح لتوجيه الأتهامات لأي طرف مهما كان ، فهذا المفهوم هو أحد إفرازات الحرب الباردة التي إستمرت سنوات طويلة بين المعسكرين الرأسمالي والأشتراكي ، بحيث أصبحت ( الأفكار الهدامة ) ، و( المبادئ الهدامة ) كما يطلق عليها أحيانا" ، مقصورة في النهاية على الأفكار الشيوعية واليسارية وإنتشارها في الكثير من بلدان العالم . حيث أتهم حملة الأفكار الهدامة زورا" بسعيهم لتقويض المجتمعات والثقافات القائمة على أساس الدين ، وعلى حكومات تلك البلدان الوقوف بوجههم بحزم .

أما المفكرين الإسلاميين .. ( فيؤكدون أن التيارات الفكرية المعادية أو( الحركات الهدامة ) تدعوا الى غزو مجتمعات الأمة الإسلامية غزوا" فكريا" يشتت الأمة ويضعف من إنطلاقها ويهدم أركان المجتمع الأسلامي وكيانه السياسي وتعوق تطوره ، وتؤدى به إلى التأخر والتخلف ) ، وكأن المجتمعات الأسلامية وصلت لدرجة من التطور العلمي ويخشى عليها من التخلف الذي يسببه دعاة الأفكار الهدامة . وبمراجعة بسيطة لشبكة الأنترنيت يمكن للقارئ أن يرى العشرات من المواقع الأسلامية المتعصبة التي تستعمل عبارة الأفكار الهدامة لغرض نشر الخوف من الأفكار الحديثة التي تهدد عروش الكثيرين . ومن هنا نتسائل ما علاقتنا بهذه المفاهيم الأسلامية لكي تتردد في رسائلنا ونتهم بها الآخرين ؟

لقد كسبت هذه الحملة ( حملة مكافحة الأفكار والمبادئ الهدامة ) نسبة كبيرة من الناس البسطاء وقليلي الوعي والجهلة والمتدينين على حد سواء بحجة حماية الدين من عبث الأفكار المستوردة والملحدين ، دون معرفة مسبقة بخفايا السلطة الحاكمة وسياستها ، وتأريخ العراق خير شاهد على ذلك حيث أستغلت القوى القومية والدينية والرجعية المتخلفة هذه العبارة لمحاربة القوى الوطنية واليسارية سواء كان ذلك في العهد الملكي أو حتى ما بعد ثورة 14 تموز عام 1958 .

وبعد أنتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الأشتراكي والرأسمالي سقطت هذه العبارة ( الأفكار الهدامة ) بعد أن إستنفذت أغراضها ، ولم يعد لها وظيفة محددة ولم تعد تستعمل بين الأنظمة المختلفة ، ولكنها لا زالت تستخدم في الكثير من الدول العربية والأسلامية التي تحاول تطبيق الشريعة الأسلامية في قوانينها وإلغاء القوانين الديمقراطية وحقوق الأنسان ومحاربة الأفكار المتنورة التي تهدد وجودها . هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن وصف بعض الأفكار بالهدامة أو أي وصف آخرهي مسألة نسبية . فما يمكن أن يوصف بالهدم في مكان ما أو زمن ما ، قد يوصف بالبناء في مكان آخر أو زمن آخر والعكس صحيح . فمثلا" كانت الدعوة لتعليم المرأة والحصول على حقوقها دعوة هدامة في كثير من المجتمعات وحتى إلى وقت قريب ، ثم أصبحت دعوة بناءة بعد ذلك ، وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك رغم أن الفكرة هي ذاتها . إننا نعتقد إن المحك في قضية الهدم والبناء في مجال الأفكار ، وبعيداً عن السياسة والتعصب الفكري ، هو قدرة الفكرة على الحوار الهادئ والمنافسة في ظل وجود أفكار أخرى ، وقابليتها العملية للتنفيذ ، ومدى فائدتها للإنسان والمجتمع . إن الفكرة البناءة فكرة لا تختفي وستجد حتما" موقعها من التطبيق يوما" ، لأنها فكرة تؤمن فائدة ما للإنسان ، حتى وإن رفضها الإنسان في وقت من الأوقات .

إن إثارة عبارة ( الأفكار الهدامة ) في كتابات بعض الأخوة في الأيام الماضية هو نتيجة حتمية لعدم توفر شروط الحوار الديمقراطي بين الأطراف المتحاورة ، مما يؤدي الى تحول الحوار الى أتهامات متبادلة يليها الأتهام الجاهز وهو (محاربة الدين بحجة التطور ) ، فهناك من يطرح فكرة ما ويعتبر إن الدين شئ ( مقدس ) لا يمكن المساس به ، وكذلك رجال الدين فهم أناس ( مقدسون ) لا يمكن الأعتراض عليهم أو مناقشة أفكارهم فهم ظل الله على الأرض ، بالرغم من ممارستهم لبعض الأخطاء في حياتهم العملية اليومية كونهم متفاوتين في العمر والدرجة الدينية والفقه والثقافة والتحصيل العلمي والخبرة في المجال الديني أضافة الى عدم أجادة اللغة المندائية بالشكل الكامل ، في حين يعتبر البعض الآخر إن هناك خلل في تطبيق رجال الدين للتعاليم الدينية للأسباب السابقة وهم بشر مثل الآخرين معرضين للخطأ والصواب ، وهذا واضح من ما نراه اليوم ومنذ سنوات من سعة الإختلاف بين رجال الدين أنفسهم في أمور كثيرة تقف عائقا" دون حل الكثير من المسائل التي تواجه الطائفة حاليا" ومنها عدم قدرتهم للجلوس مع البعض لأنشاء المجلس الروحاني الأعلى بسبب تلك الخلافات في وجهات النظر وفي ممارسة الطقوس الدينية وإتخاذ قرار موحد فيها رغم إن الدعوة مطروحة وموجه لهم منذ سنوات عديدة . إن هذا الأختلاف في وجهات النظر لا يعني الهجوم على الطرف الآخر وانما يتطلب حوارا" علميا" ديمقراطيا" ناضجا" هدفه التوصل الى قواسم مشتركة تفيد الطائفة والدين عموما" .

وهنا نتسائل هل رجل الدين هو ظل الله على الأرض كما يتصور البعض ؟ وهل هو شخص مقدس ؟ أننا نعتقد إن رجال الدين غير مقدسين في كل الديانات السماوية سوى الأئمة منهم وغير معصومين من الخطأ ، ومن يعتقد غير ذلك فهو على خطأ أيضا" ، وأذا وجه نقدا" لرجل دين مهما كان فهذا لا يعني الهجوم على ذلك الدين ككل كما يتصور البعض .

أن هذا الموضوع يقودنا الى ( مصطلح القدسية ) وكيفية التعامل معها في ظروفنا الحالية . ويشهد التأريخ إن في ظل القدسية وأسمائها المتعددة ( الشخص المقدس ، الأماكن المقدسة ، الحروب المقدسة ، الثوابت المقدسة ، الرأي أو الفكر السياسي المقدس ) أرتكبت الكثير من الجرائم وتم خلق الخوف والرعب في نفوس الناس لغرض أخضاعهم لسلطة لرجل الدين المقدس والحاكم المقدس وتحقيق مآربه الشخصية وفي حالة العكس فستلاحقهم لعنة الله في الدنيا والآخرة بإعتبار أن الحاكم مقدس وهو ظل الله على الأرض كما يعتقد المسلمون وعلى الشعب طاعته.

فتحت راية الدين والمقدس الديني ورجال الدين أرتكبت أبشع الجرائم والحروب ضد الأنسانية في العقود الماضية وتأريخ أوربا شاهد على ذلك ، وبأسم العلمانية والديمقراطية والفاشية وغيرها أرتكبت مجازر وحروب وأحتلال بلدان بأسم الحضارة والحرية والديمقراطية وتحرير البلدان ، وخير شاهد على ذلك ما حدث في الحربين العالميتين في القرن العشرين ، حيث جرت هذه الحربين العالميتن الأولى والثانية بسبب الأطماع الاقتصادية والتوسعات الاستعمارية ليس إلا .

ومن هنا يمكننا أن نتوصل إلى إن سعادة الأنسان لا تكمن في تقديس الدين أو العلم أو العقل أو الحرية أو العلمانية أو الديمقراطية ، إنما السعادة تكمن في تقديس كرامة الإنسان وأحترام رأيه وحياته ، ما لم يعتدي على حقوق الآخرين ، لكن ما دام هناك نفوس تحمل في داخلها الحقد والأنانية والتسلط وتسعى لجعل نفسها وصيّة على الدين والعلم والحرية والناس ، وتقوم بإستغلال الدين لتحقيق مآربها الشخصية ولنفعها الذاتي وتتعالى على الآخرين وتستبيح حرمتهم وتحلل دمائهم وأموالهم وأعراضهم بإسم الدين والمذهب وبإسم العلم والحرية والحضارة والمدنية ، فلا كرامة ولا سعادة على الإطلاق يمكن أن ينتظرها ذلك الإنسان البائس البسيط لا في الحاضر ولا في المستقبل.

إن الإشكال لا يكمن في الأديان فلكل إنسان حرية الأعتقاد ولا في العقل ولا في الحداثة ولا في الفكر الناضج الهادف ، ولا في العلمانية ولا في الديمقراطية ، إنما المشكلة الحقيقة تكمن في الناس أنفسهم وما يحملونه في أنفسهم من حقد وجهل وأنانية وقلة ثقافة ووعي سواء كان هذا الشخص متدينا" ، علمانيا"، ديمقراطيا" ، مثقفا" أو متعلما" ، إن ما يحمله الأنسان من أفكار مختلفة في داخله يحاول أن يطوعها لنيل طموحاته المختلفة ، فالنفس الأنسانية قد تطوع العقل والدين والثقافة لأغراض مختلفة ، فرجل الدين المريض نفسيا" قد يستخدم الدين لسفك الدماء وهتك الأعراض والسرقة والإعتداء كما يحدث في العراق حاليا" بأسم الدين ، وكذلك يفعل الداعي إلى الديمقراطية والعلمانية والحرية وحقوق الإنسان إن غلبت على الفرد تلك النفس وما تحمله من أفكار ضارة .

إن رجال الدين والعلمانيين وغيرهم ما هم إلا بشر ، لهم حياتهم وأطماعهم ونزواتهم في الحياة ، فلا الدين أوقف بعض رجاله من الخطأ بحق الآخرين ، ولا العلماني أيضا" ، فالكل له أخطائه وضحاياه ، ومن هنا يمكننا أن نوجه النقد لكلا الطرفين عند وقوعهم في الخطأ ، أما البعض من المندائيين فلو أبتعدت نفوسهم عن الحقد والكره والأنانية وحب الذات والمنافع والمصالح الذاتية وهذه ما توصي به تعاليمهم الدينية وتوفر الى جانبها الحوار الديمقراطي وأحترام الآخر والمحبة والتسامح ، لطابت لهم الحياة وطاب ما فيها ، عندئذ يمكن إعتبارهم عائلة واحدة .
 



كندا
11 / تشرين الثاني / 2009



 


 

free web counter