| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                الأحد 9/12/ 2012



التدمير الذاتي مشروع الشرق أوسط الجديد

فرات المحسن 

مع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وتصاعد نبرة الخطاب الديني المتشدد عند رجالها ومحاولات تصديرها بمفاهيمها المذهبية الشيعية الذي رافقه ارتفاع وتيرة التحريض ضد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين، بات رجال الدين في إيران يشكلون معه خطرا حقيقيا على مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في منطقة الشرق الأوسط وبالذات الخليج منه، لذا دفعت تلك البلدان حليفها صدام حسين ليقوم بهجومه العسكري انتقاما من موقف إيران العدائي للغرب و سياساتها العدوانية ضد إسرائيل.

وقائع الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثمان سنوات أثارت مواقف جديدة خلقت نعرات وتخندقات خطرة في المنطقة تصاعدت معها حدة الخلافات المذهبية وظهر بمواجهة التطرف الشيعي الإيراني ما يقابله من ردود فعل متطرفة تمثلت بتصاعد نبرة التيارات السلفية وتنامي مظاهر التدين السني وارتفاع أنجم الأخوان المسلمين والمذهب الوهابي، ووفق ردة الفعل هذه علت راية وشعار الإسلام هو الحل، أي الرجوع إلى فطرة الدين وسيرة السلف الأول من الخلفاء الراشدين والصحابة وتعاليم الفقهاء من مثل بن تيمية ومحمد عبد الوهاب وحسن البنا وغيرهم.
يشكل الصراع المذهبي أحد أكثر العوامل تعقيدا ولبساً في الشرق الأوسط، ولا ينحصر هذا الصراع بين أوساط المذاهب والملل الإسلامية بل يمتد ليشمل الديانات الأخرى، ونجد هذا الخلاف والخصومة والطعون وحتى قتل الأخر المخالف للعقيدة موجود أيضا بين أوساط الطائفة الواحدة . ففي المجتمعات الشرقية يقحم الدين في كل شيء ومن أجل أي شيء، والدين يمثل العامل الحاسم في الحراك المجتمعي. وبقدر ما يحمل من تناقضات ويخضع للتأويل نجده يدخل بضراوة في باب القدرة على شحن الخصومات وتغذية الفرقة والاختلاف بما تفرضه طبيعة التزمت والتخندق والمغالاة الذي تخلقه رؤية الطائفة لمذهبها كحقيقة وحيدة غير قابلة للنقاش وإن ما حولها من مذاهب وفرق يشكلون بالأساس مجموعات تسعى لتدميرها ومعتقدها. وتشارك في تلك الجهود وسائل إعلام ودور إفتاء ومؤسسات دينية عبر التحريض والحض على مواجهة وتخوين الطوائف الأخرى والدفع لكراهيتها وتسفيه مفاهيمها ورؤاها الدينية.

ومفاهيم تخوين الأخر واستعداء الطوائف على بعضها والدعوة لقتل أو عزل مخالفي الرأي تمتد جذورها عميقا في تأريخ المنطقة وتستقر في وعي شعوبها كبديهيات ومسلمات لا مبرر في الغالب لمناقشتها أو التمويه عليها أو الخجل منها، ومن الصعوبة بمكان إن تخرج هذه المجتمعات عن هذه القواعد والأعراف، فثقافة الإفتاء والاجتهاد الإسلامية تقدم يوميا ما تحتاج له تلك المجتمعات من ذرائع لرفع حدة الحقد المذهبي والخصومة مع الآخرين من غير أبناء الملة، والجميع يتخندقون بطائفتهم مع مقولة الفرقة الناجية الوحيدة والباقون ذاهبون إلى جهنم، ليصبح الخطاب الطائفي خطابا شعبيا تعبويا يتغلغل في روح ووجدان الكثير من أبناء الطوائف المتناحرة.

تلك الحقائق على الأرض لم تكن لتغيب عن بال العاملين في حقول الدراسات الإستراتيجية الغربية وكانت دائما محورا لبحوث ودراسات مطولة، وخلال فترات زمنية مختلفة ظهرت الكثير من الدراسات حول طبيعة الصراع المذهبي في عموم الشرق والكيفيات التي تدير بها المؤسسات الدينية صراعاتها مع خصومها المفترضين، كذلك الشخصيات التي تستطيع أن تلعب الأدوار الحاسمة في رفع حدة الصراع وتغذيته وأيضا كبحه أو وئده، وقدمت دراسات كثيرة حول حراك المجتمعات بهيكلتها وتخندقاتها المذهبية و ردود فعلها تجاه مجاوريها خصوما كانوا أو مناصرين، هذه الدراسات قدمت خدمة كبيرة للسياسيين والعسكريين في المعسكر الغربي وساعدتهم على وضع قواعد عمل بعينها تستطيع أن تتحكم في مفاصل الحراك المجتمعي وتلعب أدوار حاسمة لحرف الصراع نحو أهداف مختارة تصب في النهاية لصالح الأهداف العليا للدول الرأسمالية.

الصراع المذهبي مقدمة مهمة وعامل حاسم في مشروع تفكيك المنطقة وإعادة تركيب خريطتها الجغرافية. ولأهمية وطبيعة المشروع الإستراتيجية فكان من المهم لمعاهد الدراسات التعمق في تحليل العوامل التي تتحكم بحركة الطوائف والملل والعمل على استغلال الفطرة الدينية والصراع المذهبي لبناء خططها اعتمادا على مقولة الاستشراق الغربية، إن شعوبا تمارس العزل الذاتي وتدور دون فكاك في فلك الخصومات المذهبية، وثقافتها تستمد شرعيتها من مقولات رجال الدين وتعشق التعلق بالماضي والتعكز على ما فعله السلف وتستطيب لغة التقية والتملق وقلب الحقائق دون تفاعل مع المستقبل، فهي وفي كل الأحوال غير مؤهلة تربويا وفكريا لتكون مجتمعات متحضرة أو حتى تسعى للتحضر، ومأزقها الثقافي والحضاري يجعلها غير قادرة على التكييف مع مستحقات العصر وثقافة التسامح والديمقراطية والحريات المدنية، لذا فمن المناسب أن تخضع لنمط من الإجراءات التي تفسح المجال للرأسمال العالمي استغلال وتسخير موارد بلدانها الطبيعية وقبل هذا فرض نظم وهياكل سياسية تستند في إدارة دولها على تغليب خطاب ديني يحفز ويصعد الصراعات المذهبية داخليا وخارجيا، ومن هذا ووفق رؤية فاحصة للوقائع على الأرض عملت الدوائر المخابراتية والعسكرية الغربية على تقديم يد العون والمساعدة في أبعاد الموديل القديم الذي مثلته الدكتاتوريات وإحلال بديل أخر يعتمد فيه تغذية صراعات مجتمعية وخصومات مذهبية وقومية بين مكونات الشعب الواحد أو بين دول الإقليم. وهذا ما أفرزته مرحلة ما بعد انتفاضات الربيع العربي حين قلبت الطاولة على صناعها الحقيقيين ووضعت لتلك البلدان والمنطقة خارطة طريق أعدت لبناء شرق أوسط جديد يكون المشهد فيه صعود قوى جل ثقافتها يتمثل في تذكية الصراع المذهبي مع الآخرين.

من الواضح إن الصراع الديني والمذهبي هو العامل المناسب ليكون القوة الأساسية لتدمير شعوب المنطقة لنفسها بنفسها ووضعها في دوامة لا تستطيع الانعتاق منها. فالمؤسسات الدينية كمنظومات عمل تمتلك قدرات فائقة على تخدير المجتمعات ونخرها والعودة بها إلى الطرق البدائية في التفكير ومناهج الحياة اليومية المتخلفة العقيمة وشحنها بالمعارف التضليلية وجرجرتها باتجاه مآزق متتالية اجتماعية ثقافية اقتصادية وسياسية. ومن هذا فليس اعتباطا دخول الولايات المتحدة وحلف الناتو على خط الانتفاضات العربية وتصعيد وتيرتها ومن ثم الضغط لتهميش القوى الديمقراطية والعلمانية وهي قوى الانتفاضات الحقيقية، وتهيئة الطريق لصعود قوى الإسلام السياسي. فالصراع المذهبي واستشراء ظواهره وتصعيد معاركه هو الغاية والهدف الذي سعت أليه القوى الرأسمالية وهذا بدوره جعل من الأحزاب الإسلامية الخيار المفضل عند الغرب والولايات المتحدة ودفع بهم لتقديم العون وتهيئة المناخ العام لاستحواذ هؤلاء على السلطة إن كان بالانتخابات أو بالقوة ليمارسوا دورهم في التدمير الذاتي لبلدانهم من خلال تصعيد خطاب الخصومة والاقتتال المذهبي وفرض رؤاهم الدينية على مجتمعاتهم وهم في هذا يريدون الاستئثار بالحكم بعيدا عن الشراكة الوطنية ويتقاطعون كليا مع جميع المذاهب السياسية العلمانية يمينية كانت أم يسارية ويعدونها مفاهيم مستوردة من الغرب،ولذا يعملون على تطبيق الشرع الإسلامي وإيقاف العمل بالقوانين الوضعية ووضع سلطة القضاء وإخضاعها لمنهج السلف في الأحكام والتشريع، وفرض تشريع بالفصل بين الجنسين في مقاعد الدراسة ومجالات العمل في دوائر الدولة ومنشآتها مثلما فرض الحجاب على جميع النساء وحرمان المرأة وغير المسلم من تولي القضاء وكذلك أدارة دوائر الدولة العليا، ومثل هذه التشريعات تتطلب لتنفيذها إنشاء هيئات دينية لكبار رجال الدين لتولي أحكام القضاء وتصريف أعماله، أيضا تشكيل هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتكون مشرفة مباشرة وبكامل الصلاحيات على تطبيق التشريعات الدينية في الشارع والالتزام بها ومحاسبة المخالفين بأقسى العقوبات دون الحاجة لمحاكم وقضاء، كذلك وضع تشريعات تنص على إن أهل الديانات الأخرى من غير المسلمين هم أهل ذمة يكونون تحت حماية ووصاية السلطة الإسلامية وعليهم دفع الجزية مثلما أمر الله ونبيه محمد. فالشريعة الإسلامية هي الحاكمة في المجتمع وحق التشريع فيه حق خالص لرب المسلمين وليس لغيره، والشريعة هذه حاكمة على الجميع دون تفريق (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) (الأنعام:57). وأن أحكام الشريعة الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان.

الخلاصة
معاهد الدراسات في الولايات المتحدة وأوربا كانت ومنذ آماد بعيدة وبشكل دائم تراقب عن كثب وتحلل العوامل المحركة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وبالذات الحراك الديني والصراع المذهبي المتصاعد، لذا بدء العمل منذ أربعينيات القرن الماضي على دفعه نحو المقدمة و تغذيته والاستفادة القصوى منه ليتقدم المشهد على حساب مستحقات كثيرة سياسية كانت أم اجتماعية أو اقتصادية، فخطورته تتمثل بالقدرة الفذة التي يمثلها كعامل مفتت لقوة المجتمعات وفي ذات الوقت كابح لتطلعات الشعوب نحو بناء بلدانها وفق مستحقات ومعايير العصر، وقبل كل ذلك يكون عاملا مهما في إزاحة التفكير والتنظير للصراع العربي الصهيوني ودفعه ليكون أخر المستحقات التي من الممكن أن ترد في تفكير قوى المجتمعات العربية والإسلامية وأيضا فهو العامل المانع والمتصدي للمواقف الرافضة لسياسات الرأسمال العالمي وفوق كل تلك المظاهر يتقدم مشهد الصراع المذهبي الداخلي والإقليمي ليزج تلك الشعوب في حروب داخلية وأيضا إقليمية مدمرة لا تبقي ولا تذر، لذا ظهرت جليا طبيعة الخارطة الجديدة لما سمته الدوائر الغربية (( الشرق الأوسط الجديد وهو في الأساس مشروع لدفع قوى الإسلام السياسي لتدمير مجتمعاتها)).

 

 

free web counter