نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن

 

 

 

 

الأربعاء 8 / 3 / 2006

 

 

 

حقوق المرأة العراقية بين الواقع والطموح


ملايين الورود عساها تفترش طريقكن نحو السؤدد والرفعة
 



فرات المحسن

يسجل التاريخ البشري للثورة الفرنسية عام 1789 أول تدوين تشريعي لحقوق الإنسان، ومع انطلاق شرارتها شرعت أولى العهود والمواثيق الخاصة بحرية الفكر ووحدة الطبيعة الإنسانية والمساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم، ولم يقصر شأن الثورة وتوجهاتها في هذا المجال وإنما أعطت البشرية عمقا فكريا جديدا في السلوك الأخلاقي والتنظيم السياسي وأعراف وقواعد العمل القانوني، ويسجل لها الريادة في تسليط الضوء على قضية المرأة وحرياتها ومساواتها بالرجل في مختلف مناح الحياة.

هذا الطرح الذي جاءت به الثورة الفرنسية كان إيذانا بتغيرات عميقة اجتاحت العالم في مجال العقائد الفكرية والمذاهب السياسية والاجتماعية وحيث أصبحت قضية المرأة والمساواة تمثل الجهد الرئيسي للكثير من المنظمات المحلية والدولية وشارك في ذلك الجهد بحيوية فعاليات كثيرة كان للرجال فيها قوة مؤثرة ومهمة، وقدمت دراسات وبحوث في هذا الشأن دفعت قدما وطورت الفعل اليومي لتلك المنظمات نحو الغايات التي تصبو لها وفي مقدمتها المساواة بين الجنسين وانعتاق المرأة وحريتها وحقها في العمل والاختيار.

من المعروف، أن ما يحدد المكانة الاجتماعية للإنسان امرأة كان أم رجل هو موقعه في العمل أي وجوده ودوره في العملية الإنتاجية والذي يحدد بدوره شكل ونموذج العلاقة الإنسانية بين الجنسين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي ثم الفكري، وهذه هي لب الإشكالية التي تتمحور حولها عملية الحقوق والواجبات البشرية لكلا الجنسين والذي يؤكد على أن العمل وحده يتيح للمرأة الاستقلال المادي الذي يساعدها على الاستقلال الفكري والنفسي وينمي مداركها ويوسع أفاق وعيها لذاتها وقدراتها.

بقيت المرأة العراقية ولازالت تصارع حزمة واسعة من الاعتراضات والعوائق المصطنعة والمفاهيم المتشددة التي وضعت في طريق انعتاقها ونيل حقوقها،وباتت المرأة العراقية أسيرة ضمن نظم وأطر سياسية واجتماعية واقتصادية جعلتها بعيدة جدا عن الموقع الاجتماعي المناسب لقدراتها الجسدية وكفاءتها الفكرية والمهنية.وتم بشكل منهجي وقسري أبعادها عن المشاركة في العملية الإنتاجية والسياسية، ويعود السبب في ذلك الإقصاء الى عاملين أساسيين.

الأول يتمثل في النظام الأبوي الصارم الذي أجبر الغالبية من نساء العراق على أن يبقين فقط كربات بيوت يلبين حاجات الرجل والعناية بالأطفال،أما العامل الثاني وهو الأشد سطوة وقسوة فتمثله منظومة الأفكار الاجتماعية والدينية التي تضع المرأة دائما في مقام أدنى من مكانة الرجل وتحجب عنها أي فرصة للحراك الاجتماعي الاقتصادي الذي تنال به حقوقها الإنسانية.

تلك المسألة كانت دائما وستضل قضية المرأة العراقية الأولى في نضالها من أجل حرياتها ومشاركتها في قضايا العراق المصيرية، وهي أيضا في صلب مهمات العراقيين جميعا من التقدميين والديمقراطيين الساعين لتفكيك المنظومة المشوهة من المتاريس والعقد التي تقف في وجه حرية المرأة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

أنها مهمة عسيرة وكبيرة ولكنها موجبة وضرورية ليست فقط للمرأة بقدر ما هي تتعلق بالمطلق بقضايا الشعب العراقي في مجال الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي توجب أن تأتلف من أجلها الكثير من الجهود لرفع الحيف عن الجميع بمن فيهم المرأة العراقية، ولضمان تشريع متوازن ومنصف يحوي مباديء وقوانين تؤكد على حقوق النساء وترفع الإجحاف الكبير الواقع عليهن، بدأ بإعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية وما يحويه من تشريعات تتناقض كليا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتشريعات العالمية الخاصة بالمرأة كالاتفاقية الدولية لإزالة جميع إشكال التمييز ضدها.

أن التمعن في التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية المنصوص عليها في القوانين العراقية المعنية بحقوق النساء سوف يظهر مدى الإجحاف والإيذاء الذي يطال حياتهن ووجودهن المعنوي وكيانهن الإنساني، وتلك التشريعات تشير لاستعصاء قضايا المرأة العراقية وفي ذات الوقت تكشف المأزق الحضاري السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع العراقي.

المهمات الملقاة على عاتق القوى الديمقراطية تبدوا عسيرة وصعبة للغاية ولكنها تحتم اليوم خوض نضال مستمر لا هوادة فيه من أجل حقوق النساء العراقيات والحقوق الأخرى لباقي شرائح ومكونات المجتمع، وفي المقدمة من هذه الأهداف يأتي الإصرار على تغيير القوانين والتشريعات المبخسة لحقوق النساء وإبدالها بما يناسب ويتفق مع روح العصر ومعايير الحضارة الإنسانية التي تكفل للجميع ذات الحقوق وتزيل الغبن والإجحاف الذي طال النساء العراقيات وألحق الخراب بالمجتمع العراقي في مختلف المجالات.أن النضال يجب أن يتركز من أجل وضع نهاية للتعديات اليومية الواقعة على حقوق النساء العراقيات وفي المقدمة من تلك التعديات والتشوهات تأتي.

1ـ الولاية أو الوصاية الأبوية والزوجية ( الوكيل والقبول أو الرفض في مسألة الزواج ـ الطلاق والنشوز والعصمة ـ تعدد الزوجات ـ الوصاية على الأطفال )

2 ـ مسألة الإرث والشهادة في المحاكم ( الرجل مثل حظ الأنثيين ـ امرأتين مقابل رجل واحد للشهادة في المحاكم)

أن مثل هذا المشهد المأساوي يكشف عن إشكاليات ليست بالهينة تثار فيها الأسئلة عن علاقة المجتمع العراقي بالمتغيرات العالمية في سياقها التاريخي وقضية المرأة فيها، وهل أن التطور المعرفي وتلك التحولات فرضت تأثيراتها داخله وأحدثت التغييرات المرجوة في منظومة قيمه المجتمعية بما يوائم المستجدات والطفرات الحضارية التي حدثت في العالم.

من المؤسف أن ما حدث هو عكس ذلك بالضبط، بل أن ما المشهد الحالي يعد ارتداد وانتكاس خطير جدا أدى الى حالة من التردي المفزع على مختلف الأصعدة وخروج غير منطقي عن سياق التطور التاريخي.

وهذا ما تؤكده خارطة المشاركة النسوية في أنشطة المجتمع والذي ممكن تلمسه بوضوح عبر ما يدور اليوم من تغيرات سلبية في المجتمع العراقي تعرض بشكل واضح الانحدار الذي وصلت أليه حالة المرأة وتصاعد وقائع التعدي والإيذاء التي تلقاه على يد المتشددين من أنصار القوى السلفية الدينية والرجعية.

أـ الحياة السياسية ( العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية وفق قواعد الخوف من السطوة والتهديد الرجولي ..عشيرة ..أب .. أخ .. زوج..أبن.... نظام العرف الاجتماعي أو ما يسمى العيب.

ـ قلة أو عدم كفاية عدد النساء في البرلمان والذي جاء وفق الأجحاف الذي شرع في الدستور بالرغم من أن عدد النساء في العراق يفوق عدد الرجال

ـ المساهمة في النشاطات السياسية..حيث يلاحظ الفقر العددي المروع للمرأة ليس فقط بين أوساط القيادات الحزبية وإنما يتعداه الى العضوية العادية مع تهميش وحجب ظاهر لدورها وقدراتها ويشمل ذلك قلة مشاركتها في مؤسسات وحركات المجتمع المدني الأخرى ).

ب ـ الفرض ألقسري للحجاب في الكثير من محافظات العراق والذي طال حتى النساء من الديانات غير الإسلامية.

ج ـ تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في أغلب المحاكم وعلى امتداد رقعة الوطن، ووصل الأمر في بعض جوانبه، أن بعض الأحزاب الدينية أنشأت محاكمها الشرعية الخاصة.

د ـ الفصل بين الرجال والنساء في صفوف الدراسة الجامعية والتحذير من الاختلاط أثناء الدوام والاستراحات و منع الفعاليات المشتركة.

هـ ـ ازدياد حالات الاختطاف والاغتصاب والاعتداء الجسدي والنفسي على النساء في جميع المحافظات دون وجود رادع قانوني أو ضمانات أو تعويض معنوي أو مادي للضحايا.

و ـ وجود أعداد هائلة من الأرامل واليتيمات ( من نتائج الحروب والأمراض ) دون معيل أو مصدر رزق مما يجعلهن ضحايا لتهديد يومي يتعرضن فيه للإذلال والمهانة تحت شتى الظروف التي تتراوح بين القسر والتهديد والجوع والانحراف والجريمة.

ز ـ تشكيل منظمات نسوية تعمل بالضد من حقوق المرأة والحريات الإنسانية وتروج لعبودية النساء تحت سطوة الرجال وبما يكفل تطبيق التشريعات الدينية التي تنص على عدم أهلية المرأة وعدم رجاحة عقلها.

ح ـ استشراء حالات تعدد الزوجات وزواج المتعة والمسيار والعرفي وغيرها، والتي تسبب في أغلب الأحوال اعتداء على إنسانية وكرامة المرأة وهضم لحقوقها.

هذا الارتداد لا يقتصر على المجتمع العراقي وإنما يتعداه ليشمل الكثير من البلدان العربية والإسلامية ولا يتوقف عند أوضاع المرأة فقط، وإنما هناك تدهور غير عقلاني في مجمل الفعاليات والأوضاع السياسية والاجتماعية.ويمكن القول بأن هناك دورة معكوسة لعجلة التأريخ ابتدأت بالدوران مع تصاعد المد الديني وانتصار السلفية الدينية الإيرانية عام 1979.

الأقسى في الأمر أن ذلك الأرتكاس أفرز نماذج من العنف السياسي والاجتماعي دفع الكثير من المجتمعات الشرقية للوقوع في حالة تصادم ومواجهات ونزاع داخلي تم فيه ويتم استخدام أساليب العنف والقتل على الهوية، ورحلت بعض تلك الخصومات نحو المخالف الأخر خارج الحدود الوطنية، وشجع ذلك التصعيد على ظهور قوى وتوافقات اجتماعية كان لها أن تضمحل أو تختفي عبر مسيرة التغيرات الحضارية لكنها وجدت في المد الديني نصيرا ومؤازرا لذا فقد بدأت تنهض من جديد بقوة وفاعلية، محاولة أن تكتسح من أمامها جميع الإنجازات التقدمية التي حصلت عليها شعوب المنطقة.هذه القوى والفعاليات الممثلة بالعشائرية والفئوية والطائفية الدينية تعمل اليوم على جر المجتمع العراقي نحو منظومة أفكار سلفية ظلاميه غيبية اقصائيه بدأت تعمل وبشكل منظم على ثلم ونحر كافة المنجزات الحضارية التي حصل عليها الشعب العراقي عبر سنوات نضاله التاريخي الطويل والذي قدم من اجلها قرابين كثيرة هم خيرة وصفوة أبناءه وبناته.

أن أحد أكبر التحديات المطروحة اليوم أمام الأحزاب العلمانية الديمقراطية وحركات المجتمع المدني الأخرى وجمعيات حقوق الإنسان ومناصريها هي تمسكها بالنضال من أجل قضية الحريات العامة ومنها تحرر المرآة وانعتاقها، دون مجاملات وتفريط.ويقاس ذلك في مدى جدية تلك الفعاليات وقدرتها على صياغة برامج ومشاريع ومطالب ملموسة وواقعية تناصر وتساند المرأة وتدفع عنها الضرر والإيذاء وتشجعها للولوج والمشاركة الفعالة في الشأن العام وتمنحها القدرة والقوة والكفاءة للتأثير والتغيير نحو الأحسن.