| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                الثلاثاء 30/10/ 2012



أنهم يقتلون الجياد

فرات المحسن 

فجأة ورد في خاطري فلم ( أنهم يقتلون الجياد ) حين قرأت تصريح السيد رئيس الوزراء نوري المالكي ودعوته للكفاءات العراقية في الخارج للعودة والمشاركة في بناء الوطن.

 تذكرت قصة ذلك الفلم الذي عرض عام 1969 ونال شهرة كبيرة ورشح عدة مرات لنيل جائزة الأوسكار. مخرج الفلم سيدني بولاك وهو أحد أعمدة الإخراج في السينما العالمية وبطلة الفلم جين فوندا والفلم مأخوذ عن رواية للكاتب هوراس مكوي. حبكة الفلم تتناول فترة الركود الاقتصادي الأمريكي في ثلاثينيات القرن العشرين حيث بدت هناك أعراض كارثة اقتصادية أشاعت البطالة والجوع بين الناس. القصة تبدأ من دعوة لمسابقة رقص جائزتها مبلغ 1500 دولار وهو مبلغ خيالي ذلك الوقت. الحفلة أو السباق يكون في حلبة دائرية يتراكض فيها المتسابقون ويدورون لحد قطع الأنفاس ومن يسقط أولا يخرج من السباق، وفوق المدرجات يجلس الأثرياء يتناولون الطعام ويتلذذون بمشاهدة ذلك السباق الجنوني للجياع، أي أن الأثرياء قدموا الجائزة ليتسلوا برؤية هؤلاء المساكين يتساقطون صرعى لأجل الظفر بالجائزة. هناك لقطات جانبية تكمل أحداث الفلم منها استعراض لطفولة بطل الفلم ولحصان خائر القوى يطلق عليه الرصاص وتكرر اللقطات لعدة مرات.

يشارك في السباق عدد من الناس المحبطين الجائع منهم والفقير والفلاح وأيضا الممثل والمثقف المفلس، على هؤلاء بكل تنوعاتهم الرقص والهرولة دون توقف والصمود حتى النهاية إسعادا للأغنياء ومحاولة للحصول على مبلغ الجائزة. أثناء وفي حدة السباق والتنافس وانهيار عدد من المتسابقين لا بل موتهم، يوضع شرط جديد للمسابقة وهو أن يتزوج الراقص رفيقته أثناء المارثون تسلية للأثرياء. ترفض بطلة الفلم هذا العرض وتعده شيئا مهينا، وقتها يخبر منظم السباق البطلة بأن السباق يكلف كثيرا ولهذا سوف يتم خصم النفقات من قيمة الجائزة  ويعني هذا في نهاية الأمر أن لا يبقى للمتسابق شيئا يذكر من الجائزة لهذا تنسحب البطلة مع رفيقها في الرقص وتجلس معه في غرفة خارج حلبة السباق وتخبره أنها لا تريد الحياة بعد الآن وتعطيه مسدسا وتطلب منه أن يطلق عليها الرصاص.

يسألها رفيقها عن سبب رغبتها الانتحار، وقبل أن يطلق النار على رأسها، تجيبه.

كل هذا الصراع لا جدوى منه .. إنهم يقتلون الجياد ..أليس كذلك؟

لقد راهنت بكل قواها وعزيمتها وجسدها من أجل أن تربح هذا السباق لتعيش ولكنها أدركت بأنها خدعت مثل الآخرين وأن الجميع لدى هؤلاء الأثرياء وفي نهاية المطاف جياد خاسرة. ينتهي الفلم دون أن نرى الفائز سيء الحظ.

السيد رئيس الوزراء نوري المالكي أدرى من غيره بالمعاملة القاسية والرخيصة التي تُعامل بها الخبرات والكفاءات العلمية والمهنية والبحثية الموجودة منها والتي تريد العودة، وإن كانت جعبته وجعبة مستشاريه تخلوا من أية معلومة عن وقائع خشنة ومستهجنة وقبيحة تعامل بها الكفاءات والخبرات الراغبة بالعودة للوطن فمن الموجب عليه دعوة بعض كفاءات الخارج من الذين عادوا للتوظيف في وزارات الدولة ويسألهم كيف جوبهوا من قبل الموظفين حين قدموا معاملات إعادتهم أو توظيفهم، وكيف كانوا ضحايا للروتين والمساومات وكم دفعوا تحاشيا لنزق موظف واستهتاره، وكم استغرق مارثون سباقهم لأجل ذلك.

السلطة في العراق بدلا من أن تكرم الكفاءات والخبرات الموجودة لديها والتي تعاني الأمرين لا بل مهددة في أرزاقها ومواقعها الوظيفية، نجدها تضع عينها على كفاءات الخارج لتزج بها في سباق مرثوناتها المهلكة والمستهجنة.

ما الذي جهزته السلطة لعودة الكفاءات والخبرات إلى وطنها، هل هو الوقوف على أبواب الدوائر أم طلب المستمسكات الأربع المبشرة بدخول الجنة، شهادة الجنسية وهوية الأحوال المدنية والبطاقة التموينية وبطاقة السكن أم ترى معادلة الشهادة ومن أرقى الجامعات العالمية بالشهادة الجامعية العراقية ثم يأتي بعد ذلك تصديق مختار المحلة وبعد كومة أشهر استنزفت الجهد والمال يطلب أعادة الوثائق إلى سفارات العراق مرة أخرى لتدقيقها وتأكيد صحة صدورها، وأخيرا وليس أخرا على العائد أن يقدم أطروحته مترجمة ومصدقة ليطلع عليها ذلك الموظف الأمي اللئيم ويجد فيها ما يفي رغبته السادية في الإيذاء.

 إذا أراد السيد المالكي معرفة كيف تتم معاملة الكفاءات العلمية والاطلاع على المزيد من المعوقات والمعرقلات التي يواجهها العائد، لا بل حتى الكفاءات الموجودة الآن في العراق، عليه أن يطلب من أحد المحايدين والنزيهين حقا من غير مؤسسته الإدارية أو الحزبية تقديم تقرير بالذي يحصل هنا وهناك.

هل فكرت السلطة أن تفرد لمثل هؤلاء شعبة خاصة تتمتع بالحيادية وتضم كفاءات وخبرات متقدمة تلتزم بمهنية وعلمية صرفة لتقوم باستقبالهم وتدقيق أوراقهم الشخصية ووثائقهم العلمية وشهادات خبرتهم وتصنفهم بما يناسب وضعهم المهني والإنساني والعلمي دون أن توضع وتخضع معاملة استقبالهم وتدقيق وثائقهم لأمي خريج مدرسة ابتدائية صيرته الرتبة الحزبية مديرا ليطيح بكل أحلام هؤلاء الذين حلموا بالعودة وخدمة وطنهم، وليوقعهم حظهم العاثر أمام موظف لا يعرف التمييز بين كفاءة وكفاية أو بين فخامة وضخامة ليذلهم بعنجهيته الفارغة. موظف يريد منهم الاشتراك في سباق أسمه العودة إلى الوطن وعليهم قطع جميع الأشواط دون كلل أو ملل أو تأفف والوقوف في مسطر العمل بانتظار لحظة الانطلاق ثم بعد ذلك عليهم أن يحتملوا عذاب ما يواجهونه في الوظيفة، فشوط السباق طويل ويحتاج مجهودا مضاعفا، وفي كل مرحلة من مراحل هذا العذاب الروتيني يردد هذا الموظف على أسماعهم النشيد الوطني العتيد، يكفيكم دلالا ورغدا عشتموه خارج العراق وغيركم ذاق العذاب.عند هذه الحدود من الجفوة وقسوة التعامل تنهار الأحلام وتتضح عبثية العودة ومشاركة البعض من هؤلاء الموظفين الأوباش بناء وطن.

أنه سباق المارثون ومن يسقط فهو حصان خاسر والمهم في هذا الأمر أن فوق المدرجات يجلس علية القوم ويقام لهم حفل صاخب تقدم فيه مائدة عامرة وهم جاءوا ليشاهدوا أبناء الشعب العراقي يتراقصون ويهرولون حد الموت لأجل لقمة عيش ليس إلا، ولأجل حلم كانوا يريدون فيه تحقيق ذواتهم وخدمة وطنهم.

 أنهم الأثرياء حديثو النعمة الذي يريدون من الجميع الاشتراك في سباق المارثون الملوث الذي يقيمونه. أخوتنا الأعداء المكتفون بتبادل الأنخاب.. الجميع لديكم جياد خاسرة ..أليس كذلك؟

 
 

free web counter