| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                الأثنين  27 / 10 / 2014



عواصم للثقافة، مشهد في نشوة القتامة و ردع الأمل

فرات المحسن 
البصرة فيحاء العراق

لو قيض لبعض معاهد الدراسات الاطلاع على مكنون أرض محافظة البصرة من المواد الأولية وبالذات النفط والغاز لعدت المدينة واحدة من أغنى مدن العالم. ولو قيمت المدن العراقية وفق أهميتها الاقتصادية لكانت البصرة تتقدم على الجميع دون استثناء. وفي أفضليتها فهي ميناء العراق الوحيد وأحد أهم المصادر لإطعام أهله، ولذا سميت عين الدنيا وثغر العراق الباسم وقبة العلم والفيحاء.

كانت البصرة المنافسة الوحيدة لغويا لمدرسة الكوفة في ذاك الزمن البعيد. وهي من أنجب عبر تاريخها الطويل علماء أعلام وأدباء وشعراء فطاحل كانوا نجوما في العراق والعالم العربي.

البصرة وليفة المحن والمصائب منذ فكر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بوضع اللبنة الأولى لأول مصر في العالم الإسلامي، فتقدمت البصرة وتمددت وسط سواد النخيل، ولكن هذا النخل السامق لم يصد عنها هجير الصحراء وخراب الحروب فقيل بحقها ( وهل من شيء بعد خراب البصرة ) فاحتضنها هذا الخراب دون فكاك.

اليوم من يدخل البصرة ويعاف شوارعها الرئيسية من مثل شارع دينار، شارع الوطن، شارع الكورنيش ، شارع الكويت ،شارع الاستقلال وغيرها، ويلج بفضول نحو الأزقة الداخلية لمحلاتها، عندها سوف يدون في مفكرته بأن هذه المدينة منكوبة بكل ما تعنيه الكلمة.

هذه الأزقة المتربة المليئة بالحفر ومستنقعات الماء والأوساخ، يعزو حالها التعس لغضب صدام على المدينة لسلوكها المناوئ لسلطته، ولكن حقيقة الأمر تشير لزمن أبعد من ذلك بكثير، كون تعاستها وخرائبها تمتد بعيدا في غور الزمن . ربما مذ اكتشف النفط في جوفها المستعر. وكلما توسعت المدينة بعشوائياتها وخرائبها، كبرت تعاستها وهمومها وآلامها وغطت طرقها مستنقعات المياه الآسنة، وعند هذا الحال استدارت العيون دامعة نحو صحرائها حيث لهب الغاز المحترق يفصح عن كمية العذاب الذي يجلل روح تلك المدينة ومقدار الوجع الذي يتصاعد ليحترق لهبا مع أرواح أهلها.

بعد سقوط الصنم تنازعت البصرة عدة حكومات ، وأشتهر رجال ونساء السلطة فيها بأصوات عالية توزع على أهلها الأحلام والأماني التي تظهر بعد حين بأنها أمنيات معطوبة وكاذبة قبل أن تخرج من دواليب مجلس المحافظة، وظل بعير البصرة يجتر العاكول ويشرب الماء المالح الأجاج وينظر بعين كسيرة لثقل حمله من الذهب.

في أوج الضجيج والهرج الإعلامي العشائري وقوافل الشتائم التي باتت مثل راجمات تقذف حممها بعشوائية على الجميع وبالذات من لا يقبل بالبصرة كعاصمة اقتصادية للعراق، كان الرهان ينصب على ميناء كبير يجعل منها بوابة لنهر جاف يمتد نحو أوربا. وكانت هناك أمنية وحلم لمدينة رياضية حديثة شرعت وزارة الرياضة والشباب العراقية ببنائها هناك. ومع بناء هذين الصرحين سوف تتوفر الآلاف من فرص العمل. وبالترافق مع حصة المدينة من عائدات النفط ينتعش اقتصادها لتكون البصرة درة الخليج وبوابة العراق على العالم وعاصمته الاقتصادية الحقيقية. وأخيرا أعلن وكيل وزارة الثقافة السيد طاهر الحمود أثناء احتفالات مهرجان المربد الشعري 2014 عن ترشيح البصرة لتكون عاصمة للثقافة العربية عام 2018 وكشف عن وجود خطة لبناء خمسة قصور ثقافية تتقاسمها مناطق البصرة، ولكنه أردف بأن مثل هذا الحدث يتطلب أنشاء وانجاز البنية التحتية الملائمة من مثل الطرق المعبدة والجسور والفنادق لتكون تلك المشاريع جزءا من متطلبات أيفاء ملف العاصمة الثقافية لو أريد أن تكون البصرة مقرا لها.

بوجود مثل تلك المشاريع الواعدة كان المؤمل أن تبدأ مجالس المحافظة بتطوير مرافق المدينة وبناها التحتية لتكون مكملة وبموازاة تصاعد نسب أنجاز تلك المشاريع. ولكن خيار استضافة كاس الخليج سحب من المدينة، وعتم على ملف العاصمة الاقتصادية، وتعثر ويتعثر بشكل غريب مشروع الميناء الكبير.وفي الوقت ذاته نجد من مجلس محافظة البصرة حرصا غريبا على ترويج إشاعات لا صحة لها عن كون البصرة مستعدة لاستضافة بطولة الخليج ومثله جعلها عاصمة الثقافة والاقتصاد، وأن كل شيء جاهز لاستقبال الضيوف وأن مدينة البصرة مكتملة ببناها التحتية وأزقتها العريضة المفروشة بالإسفلت والورود والعامرة بالشجر والخضرة وأنها على استعداد لتكون مفخرة العراق ووجهه الباسم أمام الضيوف.

أصبحت مسألة ضيافة البصرة لتلك المشاريع الكبيرة لا تقبل المساومات عند البعض من تجار السياسة والدين ولا مناص غير النصر المؤزر على أعداء الأمة العراقية. وفي غمرة العصاب والهوس تناسى وتغافل الجميع الحقيقة المؤلمة والمرة التي كان على المؤسسات ذات العلاقة ومنها مجلس الوزراء وأصحاب العلاقة الأولى مجالس ومؤسسات المحافظة، عرضها وتبيانها دون رتوش وماكياج، وعدم اختصار الأمر بصرح الملعب في المدينة الرياضية دون اكتمال باقي المنشآت، أو أعمدة نصبت عند رصيف مهجور سمي بمشروع ميناء الفاو الكبير. كان عليهم قبل كل هذا الصراخ المفتعل واجب ترميم خراب البصرة الذي صار لا يضاهيه في الواقع غير أزقة وخرائب كابول أفغانستان، وربما كانت منطقة خمسة ميل والكزيزة والطويسة والبصرة القديمة وووو أشد بؤسا لو قورنت بأتعس وأقذر الأحياء في العالم.

الصراع على المدينة الرياضية والميناء الكبير والأمل بأن يكونا فاتحة خير على البصرة وأحيائها وأهلها ومن ثم يكونا سببا في تغيير حال وجهها المؤسي إلى شكل أخر يبعث الفرح والسعادة لما يسمى بالفيحاء وثغر العراق الباسم . ولكن المصائب كتبت على هذه الفيحاء لتكون مثل المرأة الممنوحة ( كفصلية) فكان الغضب السياسي والأطماع والمزايدات ورخص الارتزاق سببا في تعطيل ميناء الفاو الكبير الذي لو ربط بالنهر الجاف الممتد من أوربا عبر سوريا أو تركيا لكان رديفا ومنافسا بل قاصما لظهر قناة السويس والعقبة ، ولكنه دخل في دوامة الرعب السياسي وقبض من قبض ثمن وقوفه بوجه المشروع، وبات مشروعا من أحلام أهل البصرة المعطلة والمسلوبة دائما. وسوف يواجه مقترح البصرة عاصمة الثقافة العربية عام 2018 ذات الذي حدث مع الميناء الكبير والعاصمة الاقتصادية والمدينة الرياضية ، حين تزوق المشاريع وتحشر في حلة عرس كاذبة، وتخرج من كوخ أهلها الخرب المتعوس لتزف بعربة متهالكة تتعثر عجلاتها بحفر الشوارع وتغرز وسط برك المياه الآسنة .

ما عاد هناك من يبكي الخرائب والأزقة الموحلة وروائح الماء الآسن ، والمزابل في الأنهر، والأمراض التي تفتك بأهل البصرة جراء الماء المالح المج الذي تيبست عروق أبناءها جراءه، ولم تذق البصرة دونه طيلة حياتها. ولم نجد من يقف مع البصرة ويوصف لنا حال أحيائها وأزقتها، لينصف المدينة ويؤشر نكباتها وفواجعها. ولم نجد عاقلا يقول لنا بأن الميناء الكبير ومشروع عاصمة العراق الاقتصادية ومثله الثقافية، سوف يبقى حالهما حال المدينة الرياضية التي أصبحت الريح تذر في جنباتها وتيبس عشب مضمارها واقتلعت بعض مقاعدها وخرب فيها ما خرب . ولحد اليوم لم يكتمل فيها حتى ملعب كرة القدم الرئيسي فكيف باقي المنشآت. ولم يدلنا احد من المسؤولين كبارا وصغارا على المباني الباقيات والفنادق المخصصة لسكن الضيوف التي لم ينجز منها شيئا. وفوق كل هذا وذاك نتساءل بعالي الصوت، لأي مدينة ندعو ضيوف العراق للتجول في شوارعها. نريد أن نلف بهم أزقتها ليشموا مثلنا نقيع مزابلها وتتخم صدورهم بالأمراض.

سوف تبقى البصرة درة العراق المغمورة بالوحل ما دام هناك تجار كلام ومزايدات وحروب وسراق مال وضعاف نفوس، وما بقي بين أبناء العراق من يتاجر بالكلام والسياسة والدين مثلما يتاجر ببضاعة الارتزاق. وسوف يبقى المثل يضرب بخراب البصرة أن لم ينهض أبناؤها النجباء ليزيلوا عن وجهها غبار الفواجع.


 

free web counter