| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                                  الأربعاء 22/8/ 2012



وداعا حمارنا الحبيب أبو صابر

فرات المحسن 

تعرض الوطن لفواجع لا تعد ولا تحصى وسرقت خيراته وتراثه وهرب وهاجر وهجر وشرد وطورد أبنائه وبناته منذ نشأة العراق كوطن ولحد هذه الثانية المنحوسة ولم يسلم من واحدة من هذه الأنواع الفتاكة التي تنخر الروح والجسد حتى البشوش والزرازير والبزازين والجلاب وصولا إلى الحمير.

أحد أحبتنا من عشائر ألبو صابر وهي عشائر من الحمير أصيلة ذات محتد ونسب لم تغيير طباعها منذ الأزل ولا تشبه في ممارساتها البعض من عشائر العراق التي احترفت اليوم مهن عديدة باتت ترتزق منها وتتفاخر بها. فمن تلك العشائر من أصبح يفاخر وينافح  برجاله من الحواسم ويبيع الزود برأس الفقراء من أبناء وطنه في عمليات السرقة والنصب والاحتيال والخطف وتهديد الناس بفرض الدية والاتاوات وأصبحت هذه المهن مصدر رزقا لتلك العشائر. والمهنة الأخرى التي امتهنتها بعض عشائرنا هي الرقص والجوبية للمسؤول والقائد ليخرخش لها ببعض الخرجية. والبعض مهنته الجديدة القديمة تلقي الرشا والمنح من حكومات أو رجال أعمال من خارج العراق لتصبح العشيرة ورئيسها مرتزقا لا شيء أرخص عنده من وطن، ولكن المهنة الأكثر قوة وهيبة ومجلبة لرفعة الرأس هي إيواء من يريد أن يفجر نفسه أو يفخخ سيارة لقتل أكبر عدد من عمال المساطر أو المتبضعين في الأسواق وعندما يقتل هؤلاء الناس ترفع راية نصر العشيرة فوق بيت رئيسها تحية للمقاومة التي قتلت العزل من نساء وأطفال وشيوخ وشباب.

حمارنا الحبيب أبن العشائر العراقية الأصيلة والذي تمسك حد نزف الروح بحبيبه العراق لم يجد في الدولار أغواءاً ولا في أجواء اللهو مرتعا ولا الطعام الأمريكي اللذيذ ما يكون بديلا عن بقايا صمون وتمن المطاعم أو جرائد وأوراق وخيوط جادت بها أيادي أبناء وطنه ووضعتها له عند أقرب مزبلة يصلها حين تجواله، ولم يكن يفكر بأن يبدل طعام الأمريكان بحشيش يابس وعاكول في صحراء وطنه الطاهرة، فشيمه وقيمه وإباء وأنفة روحه العراقية منعته من أن يكون مثل هؤلاء الذين أتوا ليكونوا وزراء ونواب ومدراء في حكومة الشراكة الوطنية أو وضعوا العمامة والخواتم ليزوروا تأريخهم الفاسد الملعون ويكونوا سادة القوم وقادته،وهؤلاء جميعا بات همهم وجل عملهم اليومي هو السرقة وتكديس الأموال والهروب بها إلى أحضان الغريب من غير الوطن العراق.

والحبيب الحمار أبو صابر الذي أطلق عليه المحتل الأمريكي الغاصب اسم سموك، لم يكن ليحلم بقصر مهيب أو قطعة أرض في الجادرية أو الكاظمية أوالمنطقة الخضراء ولا حتى أرض شاطيء نهر الكوفة ولا شواطيء النهر قرب عانه أو راوه أو الرمادي، فخصاله النبيلة أعلى شأوا من كل هؤلاء الذين يتبارون لاستقطاع الأراضي والبيوت باسم الدين والطائفة والمركز الوظيفي و يتم سرقتها وتملكها بالاتفاق مع دوائر السلطة بأبخس الأثمان دون حياء أو خشية حتى من ربهم الذي يتاجرون باسمه. فجولة حرة دون هدف وفي أزقة المدن والصحارى والبساتين ومن ثم الرقود بعد عناء وجهد لهي عند حبيبنا أبو صابر أغلى من أي ملك تحت قبة سماء العراق.

مات حبيبنا الحمار أبو صابر وحيدا في غربته يعذبه فراق الوطن العزيز وتؤرقه وتنخر روحه الرقيقة ذكريات الصحبة في الوطن فكان دمعه مدرارا وهزل جسده وراح يدور ويلف في مكان خاوي دون أن يسمع صوت خرير الماء أو يجد نير الناعور مربوطا إلى رقبته وغطاء العين واللجام يجعله يدور مستمتعا بما يقدمه من خدمة دون حساب لزمن أو مسافات. مات حبيبنا كدرا وكان يجتر ذكريات ساعة اختطافه وكيف طوق بجنود الاحتلال المدججون بالأسلحة وكان أحدهم بوجهه الكدر القاسي يوجه فوهة بندقيته نحو صدغه وأخر منهم يدفع مؤخرة حبيبنا بما أوتي من قوة. لم يكن أبدا سهلا أو مطواعا قاوم وقاوم بضراوة، تدافع معهم وما هابت روحه كثرة فوهات الأسلحة التي أحاطت به، ولكنه وحيدا خذل في النهاية.

 يتذكر جيدا كيف جلس صاحبه بعيدا وابتسامة صفراء تعلو شفتيه اليابستين يلملم بين الحين والأخر دشداشته المتسخه  ويحاول أن يشيح وجهه كلما تلاقت عيناهما، لقد قبض صاحبه المبلغ وباعه ناكرا كل تلك الحياة الطويلة الصبورة والخدمات الجليلة التي قدمها له حمارنا الحبيب، تنكر حتى للدماء الغزيرة التي نزفها من أجله يوم سقطا سوية في تلك الحفرة، هو مثل غيره باعه وقبض الثمن، ألم يسمعه يقول لأبيه الشيخ المقعد وأمه الكفيفة  بأنه على استعداد وحين تسنح الفرصة لتركهما والبيت والذهاب وراء المال، أستعاد حبيبنا حمارنا النبيل أبو صابر في تلك اللحظات التعيسة حديث صاحبه اللعين فشعر حينها بان نزفا داخليا يسري في أحشائه،  شيء ما يعتصر قلبه.

تلوى الحبيب أبو صابر وأحس ساعتها وكأن الموت يقترب منه، شعر بثقل الوحدة والحنين إلى الوطن، كانت ساعته تقترب بسرعة، كان وحيدا مهملا بجسد ذاوي يتكأ على جدار الحظيرة في منطقة نبراسكا في الولايات المتحدة التي جلب أليها عنوة. ومنذ قدومه لم ير سوى هذه الحظيرة دون جميع شوارع نبراسكا وحدائقها التي حدثوه عنها وهو في الطائرة. لم يعد اللحظة يرى سوى صورة مضببة للكولونيل جون فولسوم قائد ومسؤول معسكر( تقدم ) الذي يقع في محافظة الانبار وهو من رافق الجنود الأمريكان وقادوا أبو صابر إلى داخل المعسكر، وسمي بعد اختطافه سموك وينادونه تدلعا بسموكي ومن هناك تمت عمليا إجراءات نقله إلى الولايات المتحدة قسرا وشيع في وسائل الإعلام بأن العملية جاءت إنقاذا للحمار من الجوع والتعذيب الذي ربما سيؤديان به إلى الموت المحتم أذا استمر بالعيش في العراق، عندها لاحقته وسائل الأعلام وصورته في معسكره في نبراسكا مرتديا جلالا مزركشا وكيف كانت تقدم له وجبات الطعام والفاكهة ولكن الغريب ولحد اللحظة لم تظهر في وسائل الأعلام صورة واحدة يبدو فيها حبيبنا أبو صابر وهو يقضم طعاما وجميع تلك الصور ظهر فيها كسير العين خائر القوى وثمة دمعة تترقرق ساقطة فوق وجنتيه.

خلت الحظيرة  من آخرين، سمع الحمار أبو صابر أصوات تأتي من البرية،تتعالى لكنها مكتومة وكأنها تخرج من كهف عميق، شم نسائم العاكول الرطبة تعطر الجو وتملأ خياشيمه. صفرت ريح الصحراء عند أطراف منطقة النخيب وتل اللحم وبادية الجزيرة، وشوش في أذنيه ثغاء خراف كانت تقترب من بساتين العمارة وديالى والنجف والسماوة، أطلق تنهيدة طويلة وبدأت قواه تخور وشعر بثقل جسده يرتخي ثم يحتك جلده المتيبس بجدار الحظيرة الخشن فيصدر عن ذلك الاحتكاك صوت منفر، شخصت عيناه نحو السماء فمد جسده المتعب النازف فوق الأرض الأسمنتية وكانت أنفاسه تلهث متسارعة يخالطها شخير حاد وثمة رغوة بيضاء غطت شفتيه الغليظتين. عظام صدره الظاهرة كانت تتحرك بحدة تصعد ثم تهبط وبدت محاطة بجلد تغضن كأنه خرقة قماش مدعوكة. حدقتا عيناه راحتا تتسعان شيئا فشيئا وساقاه ترفسان ثم خمد كل شيء ولكن لحظتها تحركت شفتاه وهمس بنفس متقطع لاهث..

 أسمي أبو صابر وليس سموك.......

  

الخبر

http://www.akhbaralaalam.net/?aType=haber&ArticleID=53873



 

 



 

free web counter