| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                الأثنين 21/1/ 2013



الأحزاب السياسية العراقية ومهام إجهاض الهوية الوطنية

فرات المحسن 

من جملة البحوث في ميادين عمل الدولة  ينظر لمداخيل الأفراد ومستوى معيشتهم وطبيعة الخدمات التي ينتفعون منها كمعايير تؤشر لحقيقة  النجاح من عدمه لتلك البنية العامة المسماة  دولة.

الدولة العراقية التي هشمت على يد دكتاتورية نظام حزب البعث وقضي على ما تبقى منها من قبل الاحتلال الأمريكي ومندوبه السامي بول برايمر احتسبت وفي فترة زمنية قصير لم تتجاوز بعد العشر سنوات وبعد أن اختفت ملامحها لصالح سلطات عديدة ومتعددة تدير مؤسساتها كإقطاعيات خاصة وبعشوائية وتضارب أهواء، عدت واحدة من الدول الفاشلة بجميع المقاييس وبكل ما تعنيه الكلمة من حقائق.

شكل مستوى الفقر نسب عالية بين أوساط الشعب العراقي وأشرت الإحصائيات  لنسبة ربما تجاوزت الـ  20 %   ممن هم تحت خط الفقر ونسبة عالية أخرى تعيش حالة الكفاف مع تنامي متسارع لذوي الدخول العالية بشكل غير مسبوق، كان المال العام المتراكم وغير المسيطر عليه والمضاربات والمشاريع الوهمية والرشا والاتجار بالممنوعات والمحرمات وعمليات السطو والابتزاز قد وفرت أبوابا لتصاعد أسهم وثروات هؤلاء الذين يعدون اليوم  تجارا في بازار السياسة والدين والأزمات المجتمعية وليحتلوا الدرجات الأولى في سلم الأثرياء على حساب جوع الملايين من الشعب العراقي.

ما يصاحب الفشل في الميادين السياسية والاقتصادية يشكل عامل إرتكاس في العديد من مفاصل الحياة اليومية للشعب. فالحقوق الإنسانية  تضمن للأفراد وعموم المجتمع المشاركة السياسية الحقيقية  في بناء الدولة وترتيب هياكلها، ولكن في حالة عراق اليوم  نجد إن اختفاء التركيبة السليمة للدولة العراقية تؤكده تجليات عديدة تشير لتصاعد لغة القهر والخوف والتسلط والتضييق على الحريات المدنية وتشوه وابتذال في مفهوم الديمقراطية وتجاوزات خطيرة على حقوق الإنسان يترافق مع بطالة كبيرة وتصاعد حدة التغرب بين أوساط المجتمع ومثله التهميش والضياع وغياب كامل لمفهوم ومبادئ المواطنة. ومع انكفاء مفهوم المواطنة بات العراق بحدوده الجغرافية الحالية مهددا بالتشظي والضياع على يد أبناءه قبل غيرهم.

دائما ما كانت فرصة خلق مجتمع مدني عراقي متجانس ضرب من الخيال ولم يظهر مثل هذا النموذج على أرض الواقع بشكل يبعث على الاطمئنان منذ هزيمة الدولة العثمانية وعند أول دخول جندي بريطاني لأرض بغداد عام 1917.  وبالرغم من أن صورة العراق الواحد الموحد دائما ما كانت حلما يراود الكثيرين من الذين أحبوا العراق كمسمى وطن جامع رغم تعدد واختلاف نسيج مكوناته، أيضا عشقوه كعمق تأريخي حضاري دون حدود واضحة ومتماسكة، ولكن ظهر وبمرور الزمن إن إسقاط تلك الأحلام  على أرض الواقع لم يكن سهلا ولم يجد له الأرض الصلبة للوقوف على قدميه  وبدت تلك الأحلام جد طوباوية مع رسوخ حكم حزب البعث بعد عام 1968 وحروبه وسياساته الداخلية بالرغم مما كان يدعيه من فكر قومي عروبي وحدوي، كذلك وجهت لهذا الحلم صعقة قوية أثر احتلال العراق عام 2003 جعلت محبي العراق الواحد وأنا منهم يفيقون على واقع لا يمت بصلة لما كانوا يريدونه أو يحلموا به وبدت تطلعاتهم في نهاية المطاف مهمشة ومنبوذة بعد طفح الكثير من الغريب والمستهجن وغير المتوقع اجتماعيا وسياسيا وتصاعد حدة الصراع والانقسام في الشارع العراقي.

 وفي عودة لتاريخ بناء الدولة الوطنية الحديثة وظهور أول سلطة حاكمة عام 1921 نرى دائما ما كانت قوة الدولة المركزية ولحد عام 2003 تمثل عامل الصهر والإدغام لمكونات العراق المجتمعية بشكل قسري دون النظر لخصوصيات تلك الفروع .في حين مثلت ظاهرة الارتباط الاقتصادي الاجتماعي  لأجزاء العراق الأربعة بدول الجوار مع غياب السوق الاقتصادية العراقية المشتركة واختفاء أي نوع من علاقات إنتاج اجتماعية اقتصادية حقيقية، كل ذلك شكل عوامل طاردة رسخت حالة التشظي بين مكونات الشعب العراقي وفككت الكثير من الوشائج التي كان من الممكن لها أن تنموا لصالح التراص والوحدة وبناء الهوية الوطنية، وبدورها فأن الفرعيات  القومية والطائفية دائما ما كانت تنحوا بشكل دوري لتثبيت هوياتها الفرعية بعيدا عن الهوية الوطنية الجامعة وفي الكثير من تلك المحاولات بدت لغة الخصومة والنفرة  المجال الأرحب لتوكيد الحقوق والهوية الخاصة. وعلى ذات المشهد من التفكك والتباعد خلت الساحة العراقية من الرموز أو الرمز الوطني الذي يجتمع أو تلتف حوله الغالبية بل ما حدث هو العكس فاغلب الرموز العامة التي ظهرت في العراق المعاصر دارت ومازالت حولها خصومات وصراعات  وبدت تلك الرموز في الغالب وكأنها سبب في تأزم الأوضاع ورفع حدة المناكفات والتعديات.

عام 2003 وهو عام الاحتلال الأمريكي قلب جميع المعادلات ووضع العراق بوجه عواصف عاتية وأبعد عنه ومن حوله جميع المتاريس والمصدات ليواجه مصيره عاريا دون مساحيق تجميل أو توريات أو مضادات وطنية، وجعله يقف ممزقا واهنا وكأنه في اليوم الأول من دخول جيوش هولاكو لبغداد ، ذاك اليوم من عام 1258 لم تكن بغداد عاصمة الدنيا بل كانت عليلة ضائعة تتقاذفها الأزمات مثلما تتلاعب بها أهواء الملوك والأمراء وتنازعها مطامع أعداؤها وتخاذل أبناؤها. بغداد في 9 أبريل عام 2003 كان حالها حال بغداد عام 1258 .فقد عاث دكتاتور صدام وزبانيته بمقدرات الشعب العراقي منذ تربعهم على عرش السلطة وسفحت دماء الآلاف من أبناء العراق في حروب قذرة وزج الآلاف في السجون وجاع وتشرد غيرهم جراء الحصار الاقتصادي وأوغل النظام في سياسات القمع والتجويع وأخيرا وضع الدكتاتور رأسه ورأس الشعب العراقي في سلة واحدة ليقول للأمريكان أن أردتم رأسي فاقطفوا معه رأس الشعب العراقي وهذا ما كانت تسعى له وفعلته قيادات الولايات المتحدة الأمريكية بمختلف مسميات إداراتها وشخوصها.

إنهاء سلطة البعث الفاشي وقدوم الاحتلال بفلسفته حول شرق أوسط جديد تبدأ أشواطه أثر  لحظة سقوط بغداد ليظهر المشهد كواحد من أكثر مشاهد التأريخ سوءا واستهتارا بقيم وحضارة وتأريخ المنطقة وقدم  للمنطقة فلسفة الفوضى الخلاقة لصناعة الديمقراطية!! ومن خلال تلك الفلسفة وضع معادلات مربكة لا بل هزيلة سوف تكون نتائجها وفي المستقبل القريب وليس البعيد أكثر بشاعة وقسوة ووبالا على الشعوب من ما اقترفته دكتاتوريات صدام حسين وبن علي والقذافي وحسني مبارك وبشار من جرائم.

في متتاليات محسوبة جيدا ومنذ مؤتمرات المعارضة العراقية في بيروت وصلاح الدين ولندن كان هناك سعي جاد من أطراف عديدة  للحصول على مغانم وتوزيع أرث سلطة صدام قبل نفوقها لذلك وضعت قواعد لمحاصصة سياسية قومية طائفية بمباركة وتزكية من الإدارة الأمريكية ولم يعترض أو يخجل أحد من كل هؤلاء الذين شاركوا في تلك المؤتمرات من التوصيف الذي طرح في المؤتمر على خلفية حالة التشرذم والتقسيم والتوزيع الطائفي والعرقي وإنما قوبل التوصيف والتوزيع بفرح واستبشار وتسابق المجتمعون  لتثبيت حجومهم القومية والطائفية حسب المنظور الحزبي ومن ثم تأكيد حقوقهم ومستحقاتهم في السلطة القادمة بعيدا عن فكرة إعادة بناء  وطن وتكريس هوية وطنية خربها حزب البعث بسياساته الرعناء. كانوا جميعا صدى لرغبات وسياسات الإرادة الأمريكية. وكما معلوم فإن الإدارة الأمريكية دققت شخصيات الجميع ودرست طبيعة الشخصية العراقية وواقع الحراك المجتمعي هناك ونجحت في إحداث وقائع على الأرض هيأت لجعل تلك الشخصيات الحزبية في مقدمة المشهد ليكونوا دعاة بررة للمشروع القديم الجديد الساعي لتمزيق ما تبقى من الهوية الوطنية وتقسيم العراق وقد أوفى الجميع بتعهداته وعمل دون كلل على فصم عرى ووشائج المجتمع على علاتها وضعفها من خلال تصعيد لغة الخطاب القومي والطائفي المشحون بالعداء والكراهية الذي بدأ في عهد صدام وتبنته الولايات المتحدة كمشروع يعيد ترتيب الأوراق لمستقبل العراق القادم. وبعد إجراءات تزوير في وقائع العملية السياسية مع غياب كامل للوعي المعرفي للجماهير وضع هؤلاء على رأس السلطة وبمسمى سلطة شراكة وطنية. 

منذ أولى ساعات عمل تلك السلطة ظهر أن واحدة من المهام تتقدم الجميع في جدول الأعمال إلا وهي تهميش وتفكيك مفهوم الدولة العراقية وبناء تراتيبيات لإدارة السلطة من خلال تقاسم  مؤسساتها ووظائفها والاستحواذ على جميع موارد الدولة ومنافعها وفق المصالح الشخصية والحزبية، وهذا الأمر شكل ومنذ البداية عصب التنازع والعداوة ليس فقط بين الأوساط الحزبية وإنما كانت المهمة الرئيسية  التي قادتها تلك الشخصيات والأحزاب ولازالت وهي ترحيل الشحن القومي والطائفي  ليكون سمة للتنازع والتقاتل بين الأوساط الشعبية العراقية تستعر فيه المشاحنات والجرائم وسط الشارع العراقي وترافقه الدعاوى الكيدية وجرائم نهب المال العام والرشا لتكون طبيعة لمعارك تمارس بين جميع تلك الأطراف الحزبية والشعبية دون وازع من ضمير وشرف مهني أو وطني وباتت تلك المهمة أكثر الوسائل المستخدمة في التحريض والطعن بالأخر. ودون حياء تجري جميع تلك المسميات القذرة تحت يافطة حكومة سميت بحكومة الشراكة الوطنية.   

في العراق تشترك الغالبية من السياسيين بتغذية الصراعات العرقية والمذهبية ولا تخلوا جعبة جميع الأحزاب من محركات تدخل في سياق تصعيد خطاب استفزازي تحريضي يمكن له أن يكون سلاحا فتاكاً حين الحاجة وضد الجميع خصوما كانوا أم شركاء، ففي السياسة العراقية مثلما عموم السياسة ليس هناك صديق أو عدو دائم وإنما هناك مصالح وتبادل منافع أو تراشق شتائم وطعن بالحراب، والمفهوم الأخير يلذ للأحزاب العراقية أن تتبناه  قبل غيره من المفاهيم، فغالبا ما يطغى على مثل تلك السياسات محاولات تتجاوز تبادل المنافع وضمان المصالح فتتقدم نحو الواجهة  غرائز الغدر وخلق المكائد ووضع المتاريس والاجتهاد في تهميش الأخر.
 
 

 

 

 

free web counter