| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                الأثنين 18/2/ 2013



مدحت المحمود وقرار تدجين مؤسسة القضاء العراقي

فرات المحسن 

حالات الاعتصام التي نفذها القضاة في الكثير من مدن العراق استنكارا للاتهامات التي وجهها عضو البرلمان العراقي صباح الساعدي لرئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي مدحت المحمود واتهامه بصلاته بحزب البعث، عدها البعض تضامنا مشروعا لأصحاب مهنة أو وظيفة واحدة توجب على من يمتهنها التكاتف مع بعضهم البعض درءا لخطر يهدد وحدتهم بالصميم ويثير الشكوك في نزاهة أعمالهم وقراراتهم المتخذة، وقد تضامن البعض من غير سلك القضاء مع السيد المحمود على خلفية سياسية ومصالح وارتباطات جمعتهم خلال فترة العشر سنوات الماضية.

يعد القضاء ومؤسساته من أهم المرتكزات في مفاصل الحياة  اليومية في العراق وكان له  دورا مشهودا في تركيبة بنية تاريخ العراق الحديث وعدت وقائعه في الكثير من الأحيان المدونة التي يرجع لها حين يراد أرخنة أحداث لوقائع مهمة مرت على الشعب العراقي. فمحاكم العهد الملكي كان لها وقائعها المدونة وكذلك محكمة الشعب في عام 58 بوقائعها ورئيسها العقيد فاضل عباس المهداوي والتي أسست لمحاكمة رجال العهد الملكي ومازال يتردد صداها في ذاكرة العراقيين ووقائعها وسمت ملامح مرحلة سياسية مضطربة لعراق ما بعد الملكية وباتت جزأ من الوقائع التاريخية المختلف عليها داخل الأوساط السياسية. أيضا لا يمكن نسيان دور المحاكم الطارئة التي كان يشكلها مجلس قيادة الثورة في عهد البعث الفاشي لتجريم الخصوم وإصدار أوامر إعدام مخالفي الرأي وكان جلها محاكم سرية  أمنية وعسكرية أو حزبية من مثل المحكمة برئاسة مسلم هادي أو المحكمة العسكرية برئاسة العقيد علي هادي وتوت وغير تلك المحاكم الكثير وما كان أخرها محكمة الثورة بقيادة المجرم عواد البندر.

تعود وقائع عملية تدجين مؤسسة القضاء العراقي لفترة متقدمة من حكم الدكتاتور صدام حسين حين أوعز وبعد دراسة مستفيضة قدمت له من قبل لجنة مختصة بشؤون القضاء ترأسها القاضي مدحت المحمود الذي كان يعمل وقتها مستشارا قانونيا للدكتاتور صدام ولمجلس الوزراء، أوعز أثرها الدكتاتور بتقنين معهد القضاء العالي واقتصار قبول الدراسة فيه على المحامين أو العاملين في مؤسسات الدولة من خريجي كلية القانون والسياسة وبشروط ومواصفات ذات طابع خاص. فممارسة المحاماة لفترة محددة تعد شرطا مناسبا للدخول إلى المعهد على أن يكون المتقدم متزوجا وليس اعزبا أو مطلقا ولكن الأهم وبما يتقدم تلك الشروط هو الانتماء لحزب البعث وهذا الشرط وضعت له مواصفات بعينها لا يمكن تجاوزها أو إهمال أحدها، تبدأ بمصادقة المنظمة الحزبية على انتماء الشخص لحزب البعث ثم وجوب حصول المتقدم للدراسة في معهد القضاء العالي على تزكية المنظومة الأمنية في المنطقة أو الشعبة الأمنية لعموم المدينة حيث يؤشر في ملف الطالب سلوكه الشخصي وعلاقاته اليومية والروابط العائلية والأهم في ذلك علاقته بقوى المعارضة ولا يقبل في المعهد أن ثبت وجود ميول أو أي نوع من علاقة قربى مع هؤلاء.

لم يكن إغلاق معهد القضاء العالي واقتصار الدراسة فيه حصرا لمنتسبي حزب البعث السبب الوحيد في تردي أوضاع مؤسسة القضاء في العراق  فالتدخلات الشخصية والضغوط  الحزبية باتت عاملا فاعلا وعلامة فارقة في ما يصدر  من قرارات عن المحاكم ، وقد أنهار نظام القضاء بشكل كبير مع سنوات الحصار الاقتصادي التي جرت المجتمع العراقي نحو حالة مؤلمة من البؤس والفقر والحرمان، وأولى نتائج الحصار المضرة والموجعة ظهرت بين أوساط موظفي دوائر الدولة ومن المؤسسات التي أصابها الانهيار كانت المؤسسة  القضائية والمؤسسة الأمنية حيث بدأت تصدر عن القضاء وكذلك الأجهزة التنفيذية الممثلة بقوى الأمن والشرطة قرارات وأفعال تنحوا والحالة العامة من الانهيار الاقتصادي الذي أصاب الشعب العراقي،وأضحى غالبية من القضاة حالهم حال مراكز الشرطة وضباطها وباقي منتسبيها يتعاملون مع قضايا الجنح والجنايات بقدر ما تدر عليهم من مال حرام وأمست الرشا الطابع الغالب على عمل تلك المؤسسات ونشأت عصابات مختصة في مجال التغلغل في مؤسسات القضاء وقوى الأمن لتجير قرارات القضاء والمحاكم  لصالح دافعي الرشا، وبمشاركة جهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية والمنظومة الحزبية وأقارب ومرتزقة الدكتاتور كانت قرارات القضاء العراقي تخضع للابتزاز والمساومات  ولا تجد أمامها سوى مجارات تلك القوى وتقديم كل ما يخدم طموحاتها ومشاريعها وبدا الأمر وكأن مؤسسة القضاء قد ابتلعت بالكامل وباتت تعمل كمرتزق وأجير وحسب ما يقدم لها.

عشرون عاما وهي فترة تقنين معهد القضاء العالي واقتصار الدخول فيه على البعثيين لحين سقوط حكم البعث الفاشي عام 2003 تخرج من هذا المعهد المئات من القضاة الفاسدين المرتشين والمرتزقة الذين لديهم استعداد تحت سطوة شهوة المال الحرام أو الارتزاق تقديم الخدمات لمن يدفع . سنوات قرار الدكتاتور المقبور بإغلاق معهد القضاء وما نتج عنها تعد واحدة من أكثر القرارات خطورة وسوءة وضعت القضاء العراقي في أحلك وأحط صوره وقادته لانتكاسات شكلت علامات فارقة في تأريخه وتأريخ العراق الحديث لا يمكن معها الإدعاء بنزاهته مهما قدم من جهود ومثابرة ومرافعات ودفوع سياسية كانت أم مهنية  لمحو ما لوث أردانه منذ عهد الدكتاتورية ولحد اليوم وليس من السهولة أخراجه من خرابه بغير إعادة هيكلته من جديد وفق اختبارات مهنية وأخلاقية وكذلك تنظيفه من جميع من كان أداة بيد عصابات الرشا والتلاعب بقرارات المحاكم ووضع القضاء في مجال الشبهات والطعون.    

 

 

 

 



 

 

 

free web counter