| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

                                                                                  الأربعاء 16/11/ 2011



سياسيون ساعون لتمزيق العراق
(2)

فرات المحسن 

لم تفصح التكوينات السياسية السنية التي ظهرت عقب الإطاحة بسلطة البعث عن نواياها الحقيقية أو مناهجها السياسية الذاهبة لخوض غمار الصراع الذي فتحت جبهاته على سعتها ومثلها فعل الحزب الإسلامي، بل عملت على اختزال فعلها والتمترس وراء مسألتين الأولى الطائفية وتهميش المكون السني والثانية الشعور بالانكسار والضعف واللهاث من أجل إعادة ما كان عليه الوضع قبل سقوط سلطة صدام، وتوزعت أفعال ونوايا تلك القوى بين رفض العملية السياسية برمتها أو الدخول وسط اللعبة السياسية لقضم ما يمكن قضمه من الخصوم، ولم تستطع تلك القوى أن تنأى بعيدا عن بقايا ونثار حزب البعث ونواياه المبيتة لاستعادة سلطته إلا ماندر، وخرجت من بين ثنايا أغلب تلك القوى خلطات لبرامج غريبة تقترب في الكثير من غاياتها مع محاولة تبييض وجه البعث وإعادة الحياة له وزجه مرة أخرى في دوائر اتخاذ القرار وكأنها بفعلها هذا تؤكد دائما الرابطة المستمرة بينها وبين البعث، ساعدها في نجاح بعض من تلك المهام الأداء المتهافت والهجين والبائس لشركائهم في العملية السياسية من القوى السياسية الشيعية وأيضا من البعثيين الذين غيروا ولائهم وباعوه إلى أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، يضاف لذلك الحيادية المبطنة التي يمارسها الحزبان الكرديان بالتدليس والتغليس تجاه تحركات بعض قوى القائمة العراقية القريبة من البعث والذاهبة للأضرار بالعملية السياسية،باعتبار إن الأمر خصوصية عربية في المرحلة الراهنة وليس للكرد شأن فيها وما دامت المسألة لا تضر بالإقليم.

في منعطف الانتخابات البرلمانية الأخيرة ظهرت للعلن القدرات غير العادية لائتلاف القوى العروبية القومية والبعثية وقوى الإسلام السني على مختلف مشاربهم وتطلعاتهم وقدموا أنفسهم إلى المجتمع بعناوين وطنية وبمسمى القائمة العراقية التي حوت تيارات وأحزاب متعددة.

في النظر لطبيعة حشد  القائمة العراقية يجد المرء نفسه في موقف ليس بالعصي إن أراد قراءة المشتركات التي جمعت تلك القوى والتيارات، فالمشهد واضح جدا وما كان  يجمعها جامع سوى مشترك واحد هو طبيعة التركيبة الطائفية السنية لقادتها وغالبية أعضاء أحزابها وتياراتها وتحالفهم بغطاء قومي عروبي وجذور بعثية للكثير منهم. ولغرض التمهيد للقائمة والتغطية على طائفيتها اتخذ من السيد أياد علاوي واجهة ووافق الجميع الانضمام تحت قيادته، ولم يكن هذا ليشفع للعراقية وينزع عنها صبغتها الطائفية. وبالرغم من كون السيد أياد علاوي شيعي المذهب فأن فكره العروبي وعلمانيته تنأيان به بعيدا جدا عن الطائفة الشيعية وبالذات التركيبة الطائفية التي أتسمت بها سياسات وتوجهات الأحزاب الشيعية شركاؤه سابقا في العملية السياسية،وفكره العروبي القومي رغم ضموره بعض الشيء لكنه يبقى صالحا ويقربه في النهاية من رفاق العقيدة . وفي المظهر العام تميزت القائمة العراقية بوجهين الأول الطائفية الدينية السياسية والثاني العداء لشركائهم من مسمى الأحزاب السياسية الشيعية في إدارة الدولة.

مثل السيد النجيفي وصالح المطلك والعيساوي والهاشمي عصب ائتلاف القائمة العراقي بالرغم من زعامة السيد أياد علاوي، ويسجل للسيد النجيفي القوة التصويتية فيها لذا تقدم ليكون مرشح القائمة لرئاسة البرلمان حسب المحاصصة السياسية التي بنيت عليها الدولة العراقية الجديدة ويأتي بعده صالح المطلك كنائب لرئيس الوزراء بعد أن فرضه المحتل لتوازن تتطلبه المرحلة وارتضته اللعبة السياسية بعد رفع الاجتثاث عنه، وبعدهم يتقدم السيد طارق الهاشمي حسب المعادلة الشيعية السنية ليكون نائبا لرئيس الجمهورية. وضع هذا التقسيم على مقدار ما تتمتع به قوى وأحزاب وفعاليات القائمة العراقية بعد أن طعنت نتائج الانتخابات وحجم دور رئيس القائمة كمنافس على مقعد رئاسة الوزراء ووضع في دوامة بما سمي بمجلس السياسات الإستراتيجية ما زال وقائمته يبحث عن مخرج لها.

 لا يوجد في الساحة السياسية العراقية وحتى بين أوساط القائمة العراقية وبين أوراق قادتها ما ينكر صلة بعض من قادتها وأعضائها بحزب البعث وبأشكال مختلفة من الارتباطات والمعان، ولن يستطيع قادة القائمة الإنكار كون أصوات أعضاء حزب البعث ومناصريه قد سجلت لهم الغلبة العددية والحصول على المركز المتقدم في عدد الأصوات، ولكن من غير الجائز اختزال فوز القائمة بعدد 91 مقعدا وبهذه الكمية من الأصوات فقط على مشاركة البعثيين دون سواهم، فالطائفية الدينية ومثلها السياسية لعبت دورا أساسيا في مجريات العملية الانتخابية والكثير من القوميين العرب وجدوا إن القائمة العراق تتماثل بمحتواها الفكري ومنهجها المعروض مع الكثير من طموحاتهم، ومن الأنصاف القول أن شخصية السيد أياد علاوي استطاعت أن تكسب أعداد ليست بالقليلة بين أوساط الجماهير العراقية وأيضا لا ينسى ما لعبه الحزب الإسلامي في ذلك الحث والحشد الطائفي.

كانت شعارات القائمة العراقية في أبعادها الوطنية والقومية العروبية السمات الأكثر تميزا في بداية الأمر وجهدت القائمة كثيرا لإبراز هذه الإبعاد للتمويه على الطبيعة الطائفية التي ظهرت على تركيبتها. وفي الكثير من الأحاديث الإعلامية لرجال القائمة بمختلف مراكزهم وبالذات السادة أياد علاوي والنجيفي وصالح المطلك والهاشمي، سجلت ظاهرة متكررة لا تخرج عن التأكيد على أن غاية القائمة وقواها وأحزابها بناء عراق قوي ديمقراطي مستقل وموحد، بعيدا عن المحاصصة السياسية والطائفية وهي الشعارات التي ينافق فيها جميع شركاء السلطة في العراق وعلى مختلف تكتلاتهم ومذاهبهم. وفي تلميحات حادة ومتعددة تتسرب من بين ثنايا السطور لقادة القائمة العراقية لغة تطعن بنصوص دستورية مثل المادة 140 وضرورة إعادة كتابة الدستور ورأي قاطع رافض لموضوعة الفدراليات في الجانب العربي من العراق شمالا كان أم جنوبا وغربا، وبني هذا الرأي على أساس أن الفدراليات دعوة أولية لتمزيق العراق وهو مشروع أمريكي لن يجد له صدى بين أوساط القائمة العراقية المتمسكة بعروبتها ووحدة عراقها!!؟؟

فجأة تغيرت نغمة التعابير لدى قادة العراقية وحلفائهم لترتفع لغة جديدة تطالب بإقليم فدرالي للموقع الجغرافي الشمالي الغربي من العراق أي السني بالتحديد وجاء مثل هذا الحديث على لسان السيد النجيفي رئيس البرلمان العراقي وصالح المطلك وبعض أعضاء القائمة العراقية ومناصريها، ويبرر هذا الطلب على وفق ما تتعرض له تلك المحافظات من تهميش وإهمال على يد السلطة المركزية التي يقودها حزب الدعوة، وفي حالة تشكيل مثل هذا الإقليم سوف يكون لأبناء تلك المناطق القدرة والمخصصات المالية لإدارة شؤون محافظاتهم أو إقليمهم بعد تشكيله.

ليس مستغربا أن ترتد أهداف الغالبية من قادة وأعضاء القائمة العراقية لتنقلب بمقدار 360 درجة مبعدة كل ما كان يدور حول دورها القادم في عملية بناء العراق الديمقراطي بهوية وطنية موحده بعيدا عن مشاريع التفتيت والتشرذم التي نص عليها الدستور.  ولكن ارتباط شخوص القائمة بمشاريع الخارج والضغوط الكبيرة التي تواجهها جعلاها في النهاية ترضخ لحسابات الدفع والتخندق الطائفي والسياسي والتي صعدت من حدتها الأحداث الكبيرة التي وقعت في العالم العربي المتمثلة بالانتفاضات الشعبية وبالذات في اليمن وليبيا وسوريا التي عكست وقائعها ما أرعب الكثير من البعثيين المتواجدين  في تلك البلدان والذين يؤشر وقوفهم إلى جانب حكوماتها ومعارضتهم للهبات الجماهيرية المطالبة بالتغيير، ووفق هذا الأمر وجهت لهم سهام الاتهام بالخيانة والارتزاق  وهدد الكثير منهم بعقوبة تنتظرهم بعد حين، مما اضطر أعداد ليست بالقليلة منهم وبأغلبية مثلت الوزن الأكبر من قادة الحزب من العسكريين للعودة إلى العراق عبر بوابة سوريا والأردن وتوجه الكثير منهم إلى محافظات الآنبار وصلاح الدين والموصل.

شكلت عودة هؤلاء هاجس رعب عند السلطة في بغداد مما استدعى تشكيل خلايا متابعة في أجهزة الاستخبارات ووزارة الداخلية والدفاع قامت بتقديم استشارات وتقارير عديدة إلى رئاسة الوزراء حول مجاميع غفيرة من قادة الفرق والشعب في حزب البعث الذين عادوا ورصدت لهم تحركات مريبة واتصالات هاتفية في عموم العراق ومن بينهم عدد من المطلوبين للمحاكم بدواعي وأسباب مختلفة منها علاقتهم الحزبية بتنظيمي يونس الأحمد وعزة الدوري المناوئان للسلطة في العراق والمحرضان الرئيسيان على الإرهاب. لم تكن تلك التقارير لتستوفي شروط المباغتة والاعتقال وأن البعض من هؤلاء سبق وأن كان محاورا للسلطة ورجال هيئة المصالحة الوطنية حين كانوا في الخارج.

ليس هناك سر في إشعال فتيل النار ودفع السلطة وحزب الدعوة بالذات لاتخاذ الإجراءات السريعة والفاعلة لتنفيذ رغبة كانت تكبلها الكثير من المعوقات وخاصة الرؤية الأمريكية لطبيعة العملية السياسية وضرورة مشاركة الجميع في القيادة والحكم وهذه الرؤية هي مبعث اطمئنان للإدارة الأمريكية على مستقبل مصالحها في العراق بعد خروج غالبية قواتها، ولذا حرصت دائما على تكبيل يد صقور الأحزاب الشيعية وحاولت باستمرار التمهيد لعودة بعض قادة حزب البعث للمشاركة بالعملية السياسية، وهذا الموضوع يلتقي مع أهداف ويلبي مطالب غالبية قوى القائمة العراقية الراغبة بذلك النوع من الحراك،وفي الوقت ذاته كان هناك شعور قوي لدى حزب الدعوة والكثير من مناصري السيد نوري المالكي بأنهم قد كبلوا لفترة طويلة قادت في النهاية لنمو الخلايا النائمة من حزب البعث، ومع عودة هؤلاء الكبار سوف تكون هناك مواجهة مرتقبة لامحال  والبعثيون ساعون للعودة إلى السلطة بالكامل حتى لو كان الثمن دماء الملايين من أبناء الشعب العراقي.  

قدوم رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الانتقالي الليبي محمود جبريل يوم 6 تشرين الأول إلى العاصمة بغداد ليفتح خرج الحاوي ويقدم وجبة دسمة للسيد المالكي الذي لم يدخر جهدا واعتبر معلومات السيد محمود جبريل وكأنها أشارة الانطلاق لسباق أعد نفسه ومؤازريه لخوضه منذ زمن طويل وبعد أن توفرت لديه سابقا معلومات ليست بالقليلة عن تحركات حزب البعث قدمتها له المخابرات السورية وبعض أعضاء من حزب البعث بثمن مدفوع، ولكن زيارة السيد جبريل كانت بنكهة خاصة وقرع لناقوس خطر حقيقي لمؤامرة بإمكانيات تمويلية كبيرة، لذا أعلن انطلاق الحملة بتوجيه السيد على الأديب وهو اليد اليمنى للسيد المالكي مذكرة تفعيل لقائمة سابقة باجتثاث 140 من العاملين في حقل التربية والتعليم في محافظة صلاح الدين من ضمنهم 6 من حملة الدكتوراه و17 من حملة شهادة الماجستير و30 بشهادة بكالوريوس والغالبية بشهادات متوسطة وابتدائية وجلهم من الذي سبق وأن عمل في الأجهزة الأمنية والمخابراتية أو قوات الحرس الجمهوري في عهد صدام حسين وقد أحيلوا على التقاعد وأعادت محافظة صلاح الدين تعينهم في سلك التعليم لينالوا راتبا أضافيا غير راتبهم التقاعدي. بعد هذه المذكرة بدأ الهجوم الذي أعد له منذ أشهر فكانت حملة منظمة للقبض على مجاميع من البعثيين  وبالذات من العائدين حديثا إلى العراق وتركزت الحملة في بدايتها على محافظتي البصرة والناصرية لما تمثلانه من ثقل تنظيمي سابق وحالي لحزب البعث.

 في جميع الأحوال كانت زيارة السيد محمود جبريل مفاجأة حتى للسيد المالكي فقد قدم للسلطة في العراق تفاصيل مفزعة عن العلاقة بين تنظيمات حزب البعث ومخابرات العقيد القذافي والكيفيات التي تتحرك بها تلك التنظيمات وأماكن تواجدها وإستراتيجية عملها المستقبلي، وحوت الأوراق أسماء كثيرة توطدت علاقتها بذلك العمل المنظم منذ الأسبوع الأول بعيد سقوط سلطة حزب البعث في العراق وكبر معها وبها حجم العلاقة المشبوهة وقد عبر عن تلك العلاقة البيان البائس لجماعة عزة الدوري الذي تحدث عن قدرة حزب البعث المشاركة في الدفاع عن سلطة الدكتاتور القذافي.

ردة الفعل الأولى للقائمة العراقية كان كما عهدناها لا تخرج عن دائرة ما كبل قادتها أنفسهم به وهو الترصد للسلطة المالكية وتحالفاتها السياسية والطعن بجميع قراراتها مهما تنوعت إن كانت صالحة أو طالحة، كذلك الالتزام بالدفاع المستميت عن البعث والقادة السابقين للعهد المقبور. وبالرغم من أن أغلب من قبض عليهم من البعثيين كانوا من سكان المحافظات الجنوبية فأن موقف محافظتي صلاح الدين والأنبار كان سريعا ومتشاطرا ومهددا ومتوعدا، يشي بما كان مبيتا له، فكان وكأنه ثورة بركان وبني هذا الموقف على لحمة العشيرة والطائفة والعلاقات العائلية وأيضا الحزبية السابقة والحالية والموقف من الجيش السابق بعيدا جدا عن مسمى وطن، لذا استنفرت جهود البعض من أبناء كلتا المحافظتين لدرء الخطر الحكومي والوقوف في وجه إجراءاتها وعمليات الاعتقال والاجتثاث والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من أبناء المحافظتين من البعثيين والعمل على تهيئة الأوضاع والأجواء السياسية لمشروع الإقليم ليكون الحاجز والمصد القوي بوجه قرارات السلطة ونهجها في اجتثاث البعث، واستغلت تلك المحافظات سياسات التفرقة والإقصاء والتهميش والإهمال الذي تتعرض له جميع محافظات العراق دون استثناء كحجة لمواجهة تتصاعد حدتها الطائفية مع الوقت وتقتصر أزمتها في البداية بين المركز من جانب ومحافظات الموصل وصلاح الدين والانبار من جانب أخر ثم تتبعها تحركات تكون في النهاية على حساب وحدة العراق ولحمته الوطنية. والظاهر أن إثارة فكرة تشكيل الأقاليم في الراهن من الوقت وفي تلك المحافظات الثلاث عنت أساسا عملية استباقية لجعل بلداتها حواضن أمنة لعودة القيادات والكثير من أعضاء حزب البعث وغيرهم من مخالفي الرأي أو رافضي العملية السياسية من أجل أبعاد يد السلطة عنهم وتحجيم  قدرتها على أحالتهم إلى المحاكم عن جرائم إرهابية ارتكبوها في عهد صدام أو بعده، تقليدا لما يفعله قادة إقليم كردستان تجاه الجحوش قتلة الشعب الكردي. ويصر دعاة الأقاليم اليوم على ترويج بدعة قدرتهم الفائقة على أدارة أمن أقاليمهم ووضعها الاقتصادي والسياسي بما يحقق لها الاستقرار بعيدا عن سلطة المركز وهم في هذا يتطلعون لتقليد نموذج العلاقة بين إقليم كردستان والمركز وتركبهم هواجس لتطبيق ما يشبه كونفدرالية كردستان في الإدارة.حيث لايحق للحكومة العراقية مطلقا التدخل بسلطة وقرارات الإقليم وشؤونه الأمنية والعسكرية والاقتصادية وقضائه ووظائف دوائره وعلاقاته الخارجية وغير ذلك.

إذا كان إقامة الأقاليم حق ضمنه الدستور فهو وفي النص المدون لم يشر من قريب أو بعيد إلى كونفدرالية بل أشار إلى فدرالية تكون فيها وزارات الدفاع والخارجية والمالية والداخلية والموارد الطبيعية من اختصاص المركز وله الأفضلية في اتخاذ القرارات في ما يخص سياسات الدولة وشؤون الأمن في البلد وسلامة حدود الوطن ووحدة أراضيه والتصرف بثرواته وتوزيعها توزيعا عادلا. لذا فأن الدستور يحتاج إلى عملية تحديث شامل وبما يتناسب ووضع العراق وثقافة ووعي شعبه، وسد الثغرات وتوضيح الفقرات فيه ووضعها بشفافية بعيدا عن الألغاز والتوريات، على أن يأخذ المشرع في الحسبان وحدة العراق واستقراره والحفاظ على هويته الوطنية. فمحاولة اعتماد الفدرالية كنظام اتحادي للدولة العراقية لابد للمشرع في هذه الحالة من معاينة جملة مسائل ليس فقط عن أهلية المجتمع بل كذلك عن مواصفات وسمات هذه الفدرالية وتبعاتها لكي لا تتمخض بعدها عن تأويلات وترجمات غامضة تحرف التعابير الواضحة والصريحة لمفهوم الفدرالية. أما أذا أراد البعض أقامة الأقاليم وفق توجهات طائفية ومصالح شخصية وفئوية وحزبية وبخطوات ارتجالية تسبقها لغة التهديد والوعيد التي تضرب على وتر أثارة الفتن وزعزعة الأمن فأن مثل هذا المسعى له غرض واحد هو بناء كتلة بمسمى إقليم تسعى لتكون بؤرة لمرض سوف يتسلل إلى جسد العراق  لإضعافه وتفتيته ليس إلا. 

حسب مهزلة الدستور الذي سلق وطبخ وعرض وصوت عليه عام 2005 يعتبر أقامة الإقليم حق دستوري للمحافظات منفردة أو مجتمعة، كون الشعب قد صوت عليه ؟!، ولو أعدنا النظر بمواد ذلك الدستور وقرر شرفاء الشعب إعادة التصويت عليه من جديد لعرف الساسة بعد هذه السنوات التسع خطلان ما قدمه لهم بريمر وما وقعوا عليه دون حياء وكيف تم تمريره بغفلة من الزمن على شعب كان يجهل ما يريد وغافل عن محتوى ما يوقع عليه. وقد شارك في تمريره ليس فقط ساسة من العراق وعرابيهم من الأمريكان والبريطانيين بل دفعت مبالغ من دول إقليمية ليستغفل الشعب العراقي وتنطلي عليه لعبة كبيرة تريد للعراق أن يتشظى ويكون عليلا ضعيفا مهشما تتقاذفه أهواء ورغبات جميع من كان وما زال يضمر الحقد والكراهية لهذا الشعب الذي تحمل على مر العصور الظلم الكثير من بعض أبناءه وبناته وغالبية جيرانه شعوبا كانت أم حكومات. واليوم من يرغب بهذا التقسيم هم أعضاء كثر من مختلف القوائم والأحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية ولكل من هؤلاء رغباته وأهدافه غير المعلنة التي يحاول إخفائها بحجج واهية، وهؤلاء هم قادة مرحلة ما بعد فاشية صدام يكتبون بمداد أقلامهم عار أبدي سوف يلاحقهم ويتلبسهم وسوف يلعنهم الناس والتأريخ على ما اقترفوه بحق وطن عرف عنه قبل أن تطأ ترابه أقدام أسلافهم ، مصدر أشعاع وعطاء وخيرات ومعرفة وحضارة منذ آلاف السنين. 

 

سياسيون ساعون لتمزيق العراق (1)
 

 

 

 



 

free web counter