| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فرات المحسن
F_almohsen@hotmail.com

 

 

 

الجمعة 13/2/ 2009

 

هل للسيد المالكي من يُسمعه حديث الناس

فرات المحسن

تحت سماء ملبدة بغيوم الشك والريبة والتخوين جرت عملية انتخابات مجالس المحافظات.المتفائلون أغدقوا عليها الكثير من صفات وسجايا التفاؤل بقدر ما يحملوه من أمال في أن تجلب معها التغيير المنشود بعد خمس عجاف مؤذيات. البعض ممن تدرع باليأس والإحباط رآى أن جدواها لا تعدو صفراً على اليسار ونتائجها معروفة سلفا. ولكن أخرين بنوا لقوائمهم قلاعا لمعركة مصير فأما الحياة دونها أو الموت فأعدوا لها ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل .عند تلك التخوم وتحت تلك الخيمة من الشائعات وعدم الثقة داخل الوسط السياسي ومثله الشارع، بدأت منافسة حادة قيل فيها الكثير ورفعت الوطنية والخدمات كواجهات تبشيرية للقوائم المتنافسة، ولجم البعض أهوائهم الطائفية والجهوية مؤقتا لغرض في نفس بن العاص.

لم تكن برامج الأحزاب لتعني شيئا للمواطن العادي الذي أمحلت حياته وبعثرت أماله عبر امتداد عمر حكومات المحافظات التي سيطرت على دفة الأمور في الخمس الماضيات. وبدل أن يلتفت لما يؤملونه المرشحون الجدد بالقادم من الخيرات والرنان من الذهب والولائم، كان المواطن العادي يرى برنامجا واحدا لا غير وهو أولى الأوليات ويجلب له مقدمة الخير أن حسنت وصدقت النوايا، ألا وهي حل معضلة الكهرباء صانعة الأعاجيب والخدمات ثم معالجة أمر البطالة، ودون ذلك فكل البرامج قشمريات وخزعبلات وضحك على الذقون.

حديث الشارع ينصب حول هذه المعضلات دون غيرها. إما بناء المنتزهات والساحات والقاعات والقصور وبوابات المدن فتلك تبدو ترفا أمام طفح المجاري والشوارع الطينية وفوضى السيارات والأسواق واختفاء الخدمات الصحية والبيئية والعشو ليلا نهارا مع الصدور المعلولة من غاز المدافيء. ما يطلبه الناخب كان ومازال ويبقى ويستمر، عمل وكهرباء وماء نظيف وخدمات بيئية وصحية، وليس وجبات شهية ودسمة من رطانة سياسية لا يفقهها غير أصحابها.

قيل أن الانتخابات خرجت بعيدا عن معطف الطائفية. وأقول انها كذبة صغيرة باهته. فالنتائج أفصحت عن تخندق طائفي بنموذج أكثر وعيا ودلالة من سابقه البدائي وأضيف له حشد واصطفاف جديد بمسمى العشيرة. فالأحزاب السياسية الطائفية وعشائرها كان لها القدح المعلى في النتائج وتسّيدت الساحة السياسية دون منافس يذكر وسوف تتقاسم الكعكة بوجود ذات الشخصيات التي تكرر ترشيحها. وأن كان هناك من يبحث عن ترف قادم فالقول الحق يقتل الأمل، حين يذهب البعض بعيدا بالقول أن نتائجها جاءت اقتسام للمقاعد بين الأحزاب السياسية الشيعية أعدّ له في ليل، وهو ثمرة زيارة رئيس الوزراء الى السيد السيستاني قبل الانتخابات.

صراع الأحزاب السياسية الطائفية وغيرها شابته الخصومة والعراك والعناد، وسبق لتلك الصراعات أن كانت سببا رئيسيا في فشل تنفيذ البرامج التنموية في المحافظات، وفي خضم تلك الصراعات تجاوز البعض حدود وعفة الأخلاق في تأمره لإفشال مهمة الأخر.
معطف الطائفية باق ولكن بعض أردانه وحواشيه قد تهرأت وهذا لا يعني أن من ينضوي تحته ويتدرع به قد خسر الدفء والطمأنينة، و في كل الاحتمالات وأن تبدل الحال فهو بيت فسيح تعي الأحزاب الطائفية في نهاية المطاف أمكانية أن يستوعبها جميعا ولهذا سوف تأتلف على هواجسها الطائفية وأهدافها المؤملة لدولة غير مدنية بنموذج خاص يضمن لها تنفيذ مأربها دون تحديات فعلية،ولكن هذا الأمر لن يخلوا من لي الأذرع بكل ما يحمل من أنانية ووقاحة.

يختلف المشرع عند نقطة حساسة في تعريف الشعار الحقوقي وهو (( دولة القانون )). الاختلاف في التوصيف يتآتى من الصيغة الدلالية لدولة القانون أو في تعريف القانون ذاته.عندها يطرح التساؤل الأكثر حدة وواقعية: ما نوع القانون ولأي دولة يراد أن يسن. وبالرغم من وضوح بعض فقرات الدستور على علاته فقد حدد مسير العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعراق. ولكن ما تسفر عنه الوقائع اليومية يبدو بعيدا في الكثير من حيثياته عن روح الدستور رغم تشدق البعض بالتمسك بما حوته نصوصه.الجواب عن نوع القانون يضعنا في حيرة مع ما ذهب اليه شعار القائمة. فالسيد رئيس الوزراء طرح شعار دولة القانون كواجهة لحملته الانتخابية والظن أن الشعار جاء من وحي الانفلات الأمني وسيطرة المليشيات وكتائب الموت وعصابات الخطف والسلب ومافيات سرقة المال العام والخاص وتأثير ذلك في مجريات الحياة العامة ومقدرات الناس. وتبلور الشعار مع الصولات الحكومية على تلك البؤر والمجاميع. وأريد من الشعار التأكيد على أن السلطة لوحدها تمتلك قوة القرار والسلاح وتنفيذ القانون ولا تسمح للغير مشاطرتها في ذلك. وحيثيات برنامج قائمة السيد رئيس الوزراء لا تعدو كونها تنفذ رؤية لحكومة مركزية قوية تتبعها حكومات للمحافظات على ذات المنوال من الأهداف والسياسات وذات سلطات واسعة ضمنها لها الدستور العراقي وقبل هذا تكون وسائل العنف محصورة بيد الدولة دون منافس ثم تاتي بعد ذلك الخدمات.

في مجمل شعارات حملة رئيس الوزراء يبدوا واضحا ضبابية نوع السلطة المرتقبة والتي تنوي القائمة بنائها. ويختفي ما يشير لمدى ضمانتها للحريات الشخصية والعامة وهل أن مباديء ميثاق حقوق الإنسان تتصدر أولويات قائمة دولة القانون أم أن مثل هذا المشكل يأتي في الخيارات المتنازع عليها لدى قائمة السيد المالكي مثلما في باقي الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني. لحد الآن على الأرض فأن أغلب محافظات الجنوب حسمت حكوماتها الأمر ووضعت سلطة الرقيب الديني وسرايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمنفذ وراع للعملية السياسية والاجتماعية ولو بشكل غير مفصح عنه و يعمل في الخفاء. ولكن في مدينة مثل بغداد يختلط المشهد حيث يدور صراع خفي وكذلك علني حول هذا الأمر وحسب المناطق ومن يسيطر عليها، والسلطات تغض الطرف عن الكثير من التجاوزات التي تأتي بمسميات قامعة ومانعة.
في بغداد يتمثل التنوع والتقاطع بين الحريات والقمع المنظم أو المنفلت. وبغداد عبارة عن ثكنة عسكرية بمنافذ وبوابات مسيطر عليها وأحشائها تتقاسمها الكتل الكونكريتية وسيطرات الجيش والشرطة وبعض القوى الخفية. ومع كل ذلك الحشد فأن فوضى الأسواق والشوارع يفصح عن عدم وجود سلطة تفرض قانونا أو تحاسب متجاوزا فيبدو مع كل تلك الفوضى أن شعار دولة القانون يعني قبل أي شيء أخر حسم الصراع مع قوى الإرهاب المسلح وليست معنية الآن بمن يسبب الفوضى ويخرق قوانين الدولة.مثل هذا الأمر يبدو مفارقة كبيرة ولكن دوافعه ومسبباته لا يمكن لنوايا السيد المالكي وبرنامجه مهما كان حجم الصدق فيها،إجتثاثها في القريب العاجل حيث يتطلب ذلك منه شجاعة فائقة ليست سياسية فقط وإنما دينية واجتماعية. وبالرغم من هذا فقد بدت بوادر واضحة لفرض القانون في بعض مناح الحياة ولو بشكل انتقائي وحذر.

أمام هذه اللوحة المعقدة والشائكة تظهر نتائج الانتخابات أن السيد المالكي أمام مهمات شائكة وكبيرة تحتاج لجهد فائق. فالنتائج التي حصلت عليها قائمته في محافظات الوسط والجنوب وضعته في المكان الأكثر صعوبة ومزالق، وهذا متأتي من كون أكثر من أنتخب قائمة دولة القانون كانت دوافعهم شخص السيد المالكي قبل أن يكون تصويتا لشخوص قائمته أو حزبه، وخير دليل على ذلك محافظة البصرة ومدينة الثورة ومحافظة ميسان التي كان يحتجزها تيار مقتدى الصدر وجناحه العسكري جيش المهدي وأيضا يشاطره في مؤسساتها الحكومية حزبا المجلس والفضيلة. وأن كان فوز السيد المالكي رسالة صريحة للتيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي وتأكيد قوي على نفرة الناس من إدارتهم وأعمالهم التي أجترحوها بحق المواطن العراقي، فقد بقوا جميعا شركاء أقوياء لقائمة السيد المالكي في نتائج الانتخابات الأخيرة. ومثلما ينبه حدث الانتخابات تيار مقتدى الصدر والمجلس الإسلامي لمسلمة تشير الى أن اخفاقهما له صلة وطيدة بالمساويء التي ارتكباها بحق العملية السياسية وقبلها الأذى الكبير الذي أوقعاه في أبناء المحافظات مما جعل الناس تنفر منهما،في ذات الوقت فأن هذا الحدث يضع الكثير من المهام الثقال على كاهل السيد المالكي وحزبه وهو القريب من ذات المناهج الدينية للحزبين الآخرين وكان شريكا لهما في إدارة مجالس المحافظات السابقة في كل ما اقترف من مساويء أو حسنات،خاصة وهو يواجه دورة انتخابية برلمانية قادمة. فعليه وأعضاء قائمته مواجهة وتغيير وفعل الكثير كي يبعدوا الصورة المشوهة والانطباع السيئ الذي تركته الأحزاب السياسية ذات الخطاب الديني في إدارتها السابقة للمحافظات. فهل السيد المالكي وحزبه قادر على تغيير الصورة المشوهة أم هل تراهم يسيرون على ذات النهج والمنوال. وهل باستطاعة السيد المالكي تقديم صورة واضحة لشخص يتمسك بدولة قانون مدنية تقدم الوطنية العراقية على المنهج الحزبي.

الشارع العراقي يشكك بالتغيير ويستند في ذلك على رؤيتين الأولى تقول أن أغلب من رشحهم المالكي يفتقدون الخبرة والدراية والبعض منهم سبق وان شارك في إدارة مجالس المحافظات السابقة وكان فاعلا أو متسترا على سرقة المال العام وخرق القوانين والتعدي على حقوق الناس وهؤلاء سيكون أول من يفشل نوايا ومشاريع السيد المالكي المعلنة، ويضعون العصي في دوليب مسيرته أن منحهم الحرية المطلقة.

أما الحجة الثانية للمواطن العادي فهي تستند الى الخوف من تكرار ذاك الصراع المستديم والحاد بين القوائم التي سوف تتقاسم من جديد مقاعد مجالس المحافظات، عندها سوف يكون ذلك مجلبة لصراعات جديدة تضع أبناء المحافظات في دوامة قاتلة من خيبات جديدة. فيا ترى ما هي قدرة السيد المالكي على قيادة العملية لأبعاد شبح الفشل القادم الذي يختبأ ويخبئه البعض له بين الزوايا ووراء الكواليس بانتظار الفرصة المواتية لسحب البساط من تحت أقدامه وإفشال مهماته وصولا الى لحظة إبعاده عن الواجهة السياسية كليا.

أخيرا لن يكون للسيد المالكي وبعد أن رفع شعار دولة القانون ووفق ما يصرح به يوميا،غير طريق وسلوك واحد وهو الطريق المفضي لكسب الجولات والمعارك القادمة أن حسنت وصدقت النوايا. هذا الطريق الشديد الوضوح والذي يطمأن ليس فقط الشارع السياسي وإنما مجموع الشعب العراقي. طريق الوطنية والمشروع الوطني لدولة مدنية بعيدا عن التخندق الحزبي والطائفي الضيق والمؤذي، نحو فضاء دولة المؤسسات والقانون الكافل للحريات والحقوق المدنية والمساواة والديمقراطية بمفهومها الواسع والحقيقي. فهل يستطيع السيد المالكي رفع شعار العراق فوق جميع المسميات أم نرى أعضاء قائمته وحزبه وشركائه يضعونه في خانق الفشل القاتل.

فهل للسيد المالكي من يُسمعه حديث الناس.



 

free web counter