ضياء حميو
dia1h@hotmail.com
الأحد 4/10/ 2009
حكايات من إذاعة الحزب الشيوعي العراقي
" أبو صويحب "ضياء حميو
كنتُ احد العاملين في إذاعة الحزب الشيوعي العراقي " صوت الشعب العراقي " في العام 1995 ،وكان معنا رفيق اسمه " أبو صويحب " ويقدّم برنامجا باسمه وباللغة المحكية ، برنامجه سياسي ساخر...كان " أبو صويحب " ابن ريف .. بل وبلهجته الكثير من مفردات البادية... لم أكن اعرف أكثر من انه كان من ضمن رفاق حزبنا في الكويت قبل غزو صدام لها ،شارك في المقاومة الكويتية المسلحة ضد الغزو هو وآخرون عراقيون مقيمون في الكويت (هذه النقطة التي وللأسف تناساها الإعلاميون والسياسيون الكويتيون والى الآن ) ..وبعد ذلك واثر انكشاف أمره التجأ إلى مقرات الحزب في كردستان العراق ..التي كانت خارج سيطرة الحكومة المركزية في بغداد.
كان مدير الإذاعة ورئيس تحريرها آنذاك الصحفي والسياسي والمناضل المخضرم ،العضو القيادي في الحزب، الرفيق" عبد الرزاق الصافي " أبو مخلص ، الدقيق في كل شيء ابتداءً من صحته وانتهاءً بمهامه السياسية ، دقته هذه في الإذاعة كانت تزعج البعض من رفاقه لأنه يريد أن يفحص كل كلمة وكل حرف قبل إجازته للبث..وربما له العذر في ذلك لأن مقرات الحزب آنذاك كانت محصورة في ماسمي "منطقة الحظر الجوي" والكلام هنا عن "اربيل" تحديدا ..ففي تلك الفترة الممتدة من عام 1992 – 1996 عانى سكان المحافظات الكردستانية معاناة أكثر من قاسية..الحصار الأمريكي المجرم على العراق عموما ..ومن ثم داخل هذا الحصار ،حصارٌ آخر فرضه " صدام " على ما كان يسميه مواطني شعبه الكردي ..بالإضافة إلى حصار آخر..فرضاه كل من تركيا وإيران...ضمن تحسسها من بادرة أي تحرر كردي بالإضافة إلى الاقتتال الداخلي بين حزب الرئيس جلال طالباني و الحركة الإسلامية..ولاحقا حرب " الحزبين " الفيلين " كما كان يُسميهما الشارع الكردي آنذاك...الاتحاد الوطني، والديمقراطي الكردستاني...ضيق أفق وإجرام وأنانية كان من يدفع ثمنها هو المواطن الكردي...الرواتب شحيحة وتقتصر تقريبا على أعضاء ومقاتلي الحزبين الفيلين التي كانوا يجبونها من ضرائب تهريب المعدات والبضائع على الحدود الإيرانية والتركية...هذه الضرائب جعلت أسعار السلع الغذائية وغيرها تتضاعف عشرات المرات حين تصل إلى المواطن..الأمر الذي جعلنا نسمع بين الفينة والأخرى عن انتحار رب أسرة وقتله لاطفاله وزوجته لعدم تمكنه من إطعامهم لأيام عديدة ، لم يقتصر الانتحار على الفقراء بل تجاوزه إلى " بعض المقاتلين السابقين من " بيشمركة " الحزبين ...الذين صدمهم واقع ما آل إليه نضالهم القومي المسلح بين صفوف الحزبين..!.
راج سوق " البالة " الملابس المستعملة..وهذه كانت تأتي كمساعدات من القلة القليلة من المنظمات الإنسانية التي بقت تعمل في "كردستان" ..بل حتى هذه الملابس المستعملة " الهبات المجانية كان يستولي عليها " الحزبين " الفيلين " ويبيعوها بمزاد في الأسواق...لم يكن يهمهم أي شيء عدا جمع الأموال بأي وسيلة لاستمرار "حربهم الأخوية"..!!
بالنسبة لمدينة اربيل "والتي كانت تحت سيطرة مقاتلي حزب طالباني " الاتحاد الوطني الكردستاني" فرض عليها حزب مسعود البارزاني " الديمقراطي الكردستاني " حصارا آخر..تمثل بالضرائب على السلع المهربة من تركيا أو من منطقة سيطرة السلطة المركزية...لتزداد معاناة المدينة أكثر...وصل سعر برميل النفط الأبيض 150$ في حين كان سعره في بغداد اقل من نصف دولار واحد فقط..!.
قصف بالهاونات..والقاذفات..وعمليات اغتيال..لا تدري مخابرات أي جهة تقف ورائها...!
في ظل هذه الأجواء كان العمل يتم في " إذاعة الحزب الشيوعي ".
...التحرير الإذاعي والتسجيل يتم في مركز مدينة اربيل ،أما البث الإذاعي فيتم من مدينة " شقلاوة " لأنه يحتاج إلى منطقة جبلية تقلل من التشويش الذي تبثه السلطة على إذاعة الحزب...!
في تلك الآونة كان "حسين كامل" وأخيه، صهري الرئيس وأبناء عمه ذوي الصلاحيات اللامحدوده قد لجاءا إلى الأردن منشقين عن النظام برفقة زوجتيهما ابنتي صدام....!.
وهكذا كانت مادة "أبو صويحب" التي يحررها ويسجلها بصوته عن "حسين كامل".!
وقبل التسجيل لابد من إجازتها من الرفيق "أبو مخلص"وان لم تكن هنالك خطوط حمراء أسفل الكلمات أو الجمل فهذا يعني إنها صالحة للبث..!
ولكن ما ان اطلع "أبو مخلص"عليها حتى نادى محررها على إنفراد ..!
عاد الأخير مقطب الوجه...إلينا حيث غرفة التحرير والمصححين اللغويين واضعا المادة على الطاولة...قائلا:" شوفوا رفاق خطوط أبو مخلص"...!!
كانت الخطوط أسفل جملة " المجرم حسين كامل " لاغير...أردف " أبو صويحب " قائلا ": يقول الرفيق..: (لا نستطع أن نصفه بالمجرم الآن...لان الحزب لم يتخذ موقفه السياسي من عملية هروبه وانشقاقه بعد)..!!
ابتسمنا صامتين وبدون أي تعليق...!!
فيما انهمك " أبو صويحب " بإعادة كتابة المادة "يدردم" يردد مع نفسه :" لم يتخذ موقفه بعد.. حسنا"..!، وبعد انتهاءه طوى أوراقها..ودخل مسرعا إلى غرفة "أبو مخلص"..وضعها على طاولته..قائلا " انه حرر المادة من جديد"..وغادر بأسرع مما دخل، قبل أن يطلع عليها الأخير...!
ثم وبنصف التفاته اخبرنا انه سيذهب يتمشى في المدينة فيما إذا سأل عنه أحدهم..!
بعد دقائق تعالى نداء الأخير على " أبو صويحب "...وما ان أخبرناه انه غادر يتمشى في المدينة ..اطل " أبو مخلص" هادئا ومبتسما قائلا: عرفتم بموضوع مادته ؟ّ! اشرنا برؤوسنا نعم.
انصرف ولم يعلق بشيء..!
عرفنا بعدها ..إن "أبو صويحب " لم يحرر المادة من جديد ..ولكنه استبدل جملة " المجرم حسين كامل " حيثما وردت، بجملة " الرفيق المناضل حسين كامل ".