| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

ذياب مهدي آل غلاّم
thiab11@yahoo.com

 

 

 

الأربعاء 26/12/ 2007



الحاكم الديموقراطي
في عهد الامام علي (ع) لمالك الاشتر

ذياب مهدي آل غلآم

كان الإمام علي حاكم دولة دينية ، حيث كان الأمير فيها مجرد ممثل " خليفة الله " ، ولا يستطيع أن يعارض حدود إرادته . وقد انتخب الإمام لهذا المركز لا لشيء سوى إمكانياته في المحافظة على هذا الدور ، رغم مجيئه له متأخرا جدا .
ورث الإمام علي بن أبي طالب أمة مزعزعة ، ومليئة بالعنف والنزاع ، وتفتقر إلى الأيمان بالحكومة . فالأعمال الوحشية للحكومات السابقة قسمت الناس إلى طبقات ، فكان هناك الظالمون والمظلومون ، والنبلاء والدهماء ، والموسورون والمحرومون . وقد بلغ هذا الوضع مبلغا دفع الإمام علي بمرور الوقت إلى أن يتولى القيادة ، إذ كانت هناك حاجة لمعجزة ، من اجل إحياء الدولة وتفعيل الدين . إن حصافة الإمام علي وطبيعته الفذة هما اللتان كملتا قطع الحطام ، وأحيتا إيمان الناس بالدولة . وعلى الرغم من دهاء خصوم الإمام علي ، والطبيعة العنيدة لشيعته ، فقد احتفظ بدولة قوية وظافرة حققت العدالة ، وأسست الديموقراطية ، من دون أن يعرض أخلاقياته للشبهة ، أو أن ينتهك مبادئ الأخلاق ، وهذا ما حدا بالإمام علي إلى كتابة عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر ، وهو إبداع دليل سياسي لأمير جديد " خليفة / حاكم " لعله يكون ذا نفع للقارئ الواعي ، وللتاريخ ، ولخدمة الإنسان ، انه منهاج دولة المجتمع المدني . ومن هذا العهد سوف أتطرق لبعض الملامح في شخص " الحاكم أو الأمير أو الخليفة " الذي يقود هذا المجتمع .

القسوة
"
ليس شيء ادعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم " الإمام علي
عندما يشار على الحكام أن يكونوا حازمين ، كيما يوفوا واجبات الحكومة ، فإنهم يكونون عرضة لتجاوز حدود العزم ، والسقوط في القسوة ، حيث تترك الإصلاحات ، وتساق التسويفات لذلك ، وبناء على ذلك يصبح الظلم ناتجا ثانويا للعبة السلطة ، ويصل الحال بالمشاركين إلى أن يشددوا على كيفية قيام هذا الظلم بما يفي بالحاجة . وأي ظلم يستحسن كعزم ، أو يستنكر كقسوة ، لأنه مقترب أخلاقي قبل ان يكون مقتربا عمليا ، لأن الانتهاكات الأخلاقية لا تصب في مصلحة النتيجة الناجحة على المستوى العملي ، البناء الأخلاقي هو الذي سوف يديم النتيجة الناجحة على المستوى العملي ، فالرغبة في الرحمة غالبا ما تعترضها ضرورة القسوة ، ومن هنا نفهم القول يجب على ( الأمير/ الخليفة ) ان يتّبع الضرورة ، وليس الرغبة استعمال ( النية الصادقة ) في تحقيق هذه الضرورة اذا أراد ان يتجنّب الدمار ، وفى الحقيقة انه من خلال فصل حالات قليلة جدا ، يمكنه ان يكون اكثر رحمة بحق ، وبذلك يمنع حدوث اضطرابات ، حتى اذا ما أرتكب القتل والسلب ( القسوة المعاكسة ) ، ذلك ان هذه الاضطرابات تسيء الى مجتمع كامل ، في حين تؤثر الاعدامات القليلة اذا ما طبقت في بضعة أفراد فقط ، تبدو هذه الصياغة مقنعة تماما ، مادام المرء ليس من بين ( البضعة أفراد ) المسيئة . وينظر الإمام علي الى القضية من زاوية مقابلة كذلك ، فالأفراد يحظون بالأهمية نفسها بما انهم أمة مشتركة ، ولا يعذر ( خليفته ) مالك الأشتر في الإخلال بحقوقهم .
يقول الإمام علي:"
و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا ، تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان ، إما أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق " بهذه العبارة يعيد الإمام علي تأسيس مبدأ في الفكر السياسي الإسلامي ، وهو مسؤولية الحاكم تجاه غير المسلمين . يتبنّى الإمام علي في عهده الى مالك الأشتر استخدام القسوة بشكل لا يجد ذريعة لأفعال القسوة ، ومن رأيه يقوم الظلم بتعجيل نقمته ( نقمة الله ) وجر الدولة الى دمارها . وطبقا للأمام علي ليس من المهم سواء أأعادت جريمة مكانة الدولة أم لا . وأي شخص يرتكب جريمة ( وبضمنهم الحكام ) يجب ان يعاقب ، وحتى في حالة الموت الخطأ لابد للحاكم من ان يعوض عائلة المتوفى . يؤمن الإمام علي بأنه لن تكون هناك شفاعة مجدية أمام الله لسفك الدماء من دون سبب مشروع ، فقد كتب الإمام علي " والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة "
ولقد كانت أوامر الإمام علي لمالك في غاية الوضوح يقول "
إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فأنه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا اعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها 000فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام ، فأن ذلك مما يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند الله ، ولا عندي من قتل العمد ، لأن فيه الوكزة فما فوقها مقتلة ، ولا تطمحن بك نخوة سلطانك عن ان تؤدي الى أولياء المقتول حقهم "
ان سمة الجانب العملي التي حفزت على عقلنة القسوة استقامت على بضعة أسس هيمنة أخلاقية الدولة على جميع أشكال الاعتبارات الأخلاقية الأخرى . ان أخلاقية الفرد مضمونة ، لكنها تنسحق تحت وطأة مجال جبار ، وفي مثل هذه الحالة لا تعني أخلاقية الدولة بمصالح الفرد الخاصة عندما تكون مصالح المجموع رهن الخطر .
ان دور ( الحاكم / الأمير / الخليفة ) في الاستشارة يدفعه الى ان يفرض القوانين ان كان قادرا ، أو يجب ان يقول ( ذلك ما يجب فعله ) .
ان هذه النتيجة محتومة بالنسبة لأولئك الذين يعوّلون على تحليل التأريخ لينسجم مع خطة المستقبل ، ذلك لان الحوادث التاريخية تميل الى الوضوح بذاتها ، ولا يعني ان يتغلب النص على العقل ، لا بل ان يتفاعل بكل وضوح لخدمة الفرد والمجتمع في الزمكان .
لقد دشن الإمام علي شيئا جديدا ، فالتاريخ يستشف ولا يحاكى ، باستثناء تأريخ ( إرادة السلام والخير) . لقد ابتدع الإمام علي حكومته الخاصة لتكون حكومة ديموقراطية بحق ، فالسلطة منوطة بالناس ، بينما الحاكم مجرد وسيط . يقول "
ان كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها ، وإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي ، كأنني المقود وهم القادة ، أو الموزوع وهم الوزعة " وبهذا القول لا يشير الإمام علي الى حكم دهماوي من طرف الناس ، بل يشير الى مأزق طبيعي يواجهه قائد جديد يتبنى الديموقراطية بعد عقود من الاستبداد . ان رعايا الإمام علي لم يعرفوا كيفية ممارسة الديموقراطية ، لذلك غالبا ما أساءوا استخدام علاقة القائد المقود . ولقد تكلم الإمام علي أيضا بسلطة القائد ، ولذلك كان أول من قال " على تلك الطريقة أريد منك ان تصرف الأمور فلتفعل ذلك " كان ذلك العلاج المر الذي كان مالك الأشتر وأقرانه يرغبون من خلال القبول بالمنصب في تناوله كوصفة ، من دون ان يتناولوا معه شيئا يجعله اقل وطأة من الإيمان المطلق ببراعة الواصف .
ان عاملا في حكومة الإمام علي لابد من ان يخوض غمار حرب مستمرة ضد طبيعته الشخصية ، فمن المأمول من العامل ان يبدي تسامحا عندما يكون الانتقام مطلبا معتادا ، وان يبتسم عندما يمتلئ غضبا ، وليس مسموحا له ارتكاب الأخطاء ، مع انه يقبل بحقيقة ان الآخرين يرتكبون الأخطاء ، يجب على العامل بوصفه موظفا رسميا القبول بموقعه ضمن التراتبية ، حيث يكون الله في قمة الهرم ، ويجب عليه محاكاة الله في أفعال الرحمة والتسامح " الإنسان خليفة الله في الأرض " ومع ذلك فإن الإمام علي يحذره "
إياك ومساماة الله في عظمته ، والتشبه به في جبروته " ومن جهة أخرى ينصح الموظف الرسمي (( عامله / الخليفة / الحاكم / الأمير )) ان يظهر وان يظهر فقط انه يتمتع بخصائص فاضلة ، فما يتعيّن فعله في الواقع كان أمرا آخر ، كان عليه ان يتصرف طبقا لمبادئ البيئة السياسية ، وان يتعلم ان يكون خيرا فقط ، عندما يكون ذلك مجملا لسلطته السياسية تماما ، مثل تبرعات التجار، كما سيدعو الإمام علي ذلك .

عن الاستشارة
"
ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر " هنا على الحاكم ان لا يحفل بلقب البخيل ، اذا كان اتخاذ القرارات السياسية من دون التماس نصيحة يعني الدكتاتورية ، فإن ارتكاز هذه القرارات على نصيحة خاطئة ، أو مضلة يؤدي الى عواقب وخيمة ، وعلى ذلك فان مهمة اختيار مستشارين هي المهمة الأصعب ، والأكثر ثقلا من بين المهمات الأخرى ، وليس بكاف نشدان الرجل الأكثر حكمة ، من دون الاهتمام بما ستفضي إليه حكمته . لقد نبّه الإمام علي مالكا الأشتر على انه هو وحده المسؤول عن حال القرارات ، على الرغم من انه يشارك في اتخاذ القرار مع مستشاريه . ولذلك عليه ان يكون بالغ الحيطة مع الذين يكونون موضع ثقته. يقول " والصق بأهل الورع والصدق ، ثم رضهم على ان لا يطروك ، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله "
فحوى الرسالة هو ان الإطراء يسبب الفساد الذي ينتهي الى سقوط الإنسان ، لا أود ان اغفل مسألة بالغة الأهمية تتعلق بخطر داهم على (( الأمراء )) تجنّبه ما لم يكونوا حصيفين وحكماء من اختيار وزرائهم ، وأعني بذلك المتملقين الذين تعج بهم البلاطات ، فهناك طريقة واحدة فقط للاحتراس من الإطراء ، وهذه الطريقة هي أن تشيع انك لن تغتاض من الكلام الصريح ، وعلى الذين عرفوا بالحكمة والتعقل ان يصرحوا بآرائهم ، لأن الرجال مختلفون تماما من حيث قدرتهم على تحليل المواقف النقدية ، فثمة رجال يفهمون الأشياء بحسب فهمهم الخاص ، وثمة رجال يحتاجون الى توضيح كيما يفهموا ، وثمة رجال لن يفهموا الأشياء على الإطلاق ، وكل هؤلاء لهم مطامحهم المختلفة ، فعليه أي ( الحاكم ) ان يحافظ على حكمه ، ويجب عليه ان يضع هذه المطامح قيد المراقبة دائما . إن الإمام علي يعالج تهديد المشورة السيئة في عملية الترشيح ، فهو يقول "
إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام " وينصح بحكومة جديدة كليا ، حكومة متنزهة عن خطايا الماضي وعاداته ، حالما ينتخب ( الحاكم ) المستشارين الملائمين يمكنه ان يعتمد عليهم في تحقيق ما يرغب فيه ، لأنهم لن يخدعوا أو يسيئوا استعمال الثقة التي حباهم إياها ، كان ذلك ما فعله في بداية حكومته فقد عزل كل أولئك الذين ولوا لأي سبب غير الجدارة والمآثر وولى الآخرين الذين سيكونون ( بحسب رأيه ) مؤهلين لمناصبهم ، وأبقاهم مع ذلك قيد مراقبته الدقيقة .
ومن اجل تأسيس علاقة بين الحاكم ومستشاريه ، وبعد التأكد من ان المستشار ليس بخيلا ، أو جبانا ، أو جشعا ، وإنه لم يقم بمهام الظالم في الماضي ، عندئذ يتحوّل الى خصيصتين بالغتي الأهمية ، تؤهلان من وجهة نظره الرجل للمنصب ، وهاتان الخصيصتان هما "
مخافة الله وقول الحقيقة " فمخافة الله تضمن الولاء ، وقول الحقيقة تولد النصيحة الصادقة ، لذلك على الخليفة ان يظهر انشغاله بشأن الطريقة التي يتصرف بها أولئك الرجال ، ويجب ان لا يعامل المحسن والمسيء سواء بسواء ، لأن " في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة " أخيرا إعتقد الإمام علي بأن المستشارين لا يمكن ان يكونوا خيّرين بالنسبة ( لأمير ) أحمق ، ان أميرا بلا حكمة يتوفر عليها بنفسه لا يمكن ان ينصح بشكل حسن ، وبناء على ذلك يجب عليه ان يتوفر على الخصائص الجيدة التي تمكنه من ان يميز بين النصيحة الخيرة ، والنصيحة السيئة ، وان يتبع النصيحة الخيرة وينبذ النصيحة الضارة .

عن الجيش
"
فوّل من جنودك أنصحهم في نفسك الله والرسول ولإمامك " ان الحرب لا يمكن تجنبها أبدا ، وانما يمكن فقط تأجيلها ، وبناء على ذلك تشكّلت الجيوش ، واكتسبت شرعيتها.
بوحي من ( الخليفة ) الذي مفاده ان لا دولة يمكنها ان تكون محصنة ضد خطر العدوان ، أو تهديده ، ومن هنا كانت الأولوية الرئيسة للحكومات هي ان تتكفل بأمن وجودها ، وان تستعد للدخول الحتمي في الحرب في الوقت المناسب . لقد وصف الإمام علي الجنود بأنهم حصون الرعية التي يجب ان تلقى عناية كافية من ( الأمير ) . ويواصل الإمام علي الكلام عن الجنود "
وليس تقوم الرعية إلا بهم ، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج " لا تعرف الجيوش فقط بكونها عبئا ، وبكونها تعتمد على الدولة كليا ، وانما هي ذات خطورة محتملة ، وعلى ذلك فمن المهم بالنسبة ( للأمير ) ان يضعها قيد المراقبة ، وان يضمن ولاءها ، وبحسب رأي الإمام علي يمكن ان يتحقق هذا عبر تعيين الرجال المناسبين لهذه المسؤولية ، الرجال العطوفين ، والشفوقين ، والقويمين . يقول الإمام " وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته ، وافضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتى يكون همهم هما واحدا من جهاد العدو "
ومرة أخرى يلفت انتباهنا الى ان الترشيح الناجح هو الخطوة الأولى لضمان ولاء الرجال ، في حين ان الرعاية الدائمة لهم يمكنها وحدها ان تصون وحدتهم وولاءهم ، وفي هذا القسم من العهد أدى الإمام علي دور عالم نفساني عسكري حديث ، فهو يجادل بحق في ان الجنود الذين يزحفون الى الحرب يجب ان لا يركزوا على أي شيء آخر غير إيقاع الهزيمة بالعدو ، ولذلك فمن واجب ( الحاكم ) ان يعيّن القادة البارعين الذين يرعون المحاربين . يقول الإمام علي "
ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما " ومن المهم جدا التأكد من ان أسرهم يحظون بالرعاية ، وعلاوة على ذلك يحث الإمام علي مالكا الأشتر على ان يطري جنوده وضباطه مرارا وتكرارا لكل ما يقدمونه من خدمات ، فيقول " فافسح في آمالهم ، وواصل في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم ، فأن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع ، وتحرض الناكل ان شاء الله "
وأخيرا يحذر الإمام علي مالكا الأشتر المعاملة المتحيزة بإزاء رجاله اعتمادا على موقع أحدهم في المجتمع ، حيث يقول الإمام علي "
ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ، ولا تضيفن بلاء امرئ الى غيره ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه ، ولا يدعونك شرف امرئ الى ان تعظم في بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعه امرئ الى ان تستصغر من بلائه ما كان عظيما "
ان القوات المسلحة هي إحدى أساسين رئيسين للدولة كلها جديدها ، أو قديمها ، أو التي تمزج بين هذين الأساسين هي " القوانين الجيدة " وكلمة جيدة تستخدم بأية حال بمعنى عملي ؛ إجرائي , أخلاقي ، عادل ثم " الأسلحة الجيدة " وهكذا تساعد الأسلحة القوية القوانين ( سواء كانت عادلة أم ظالمة ) على ان تصبح مطاعة ، وسارية المفعول . ورسالة الإمام علي هي ان إخلاص الجيش وولاءه اللذين يجب ان يكونا مكفولين قبل القوة أمر ذو أهمية قصوى ، وذلك لان الإخلاص والولاء إنما هما سمتا الأمان للجيش ، في حين ان القوة وحدها إنما هي سمة خطرة ، وكما ان جيشا ضعيفا يؤدي ( بالخليفة ) الى فقدان دولته لصالح الأعداء ، فأن جيشا قويا ولكن غير موال قد ينقلب ضده حالما تسنح الفرصة .

عن المعاهدات
"
وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، أو ألبسته منك ذمة ، فحق عهدك بالوفاء ، وارع ذمتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم ، وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود " هكذا عهد الإمام علي لمالك الأشتر ونظرته الى المعاهدات مستمدة من التعاليم الإسلامية فالقرآن يقول " فان جنحوا للسلم فاجنح لها " والتزاما بهذا الناموس يأمر الإمام مالكا الأشتر بأن لا يطرح اقتراح السلم الذي قد يبديه السلم يقصد انتهاكه ، ومع ذلك لم يجعل الإمام علي من هذا الأمر ذريعة لعامله قصد نقض دعوة وبدلا من ذلك فهو يقترح ان على ( مالك ) ان يتحسس علامات نقض الوعد من طرف عدوه الذي سوف يجعله في حل من التزامه بمعاهدة محترمة .
عندما تعقد هدنة يجب على المرء دائما ان يقبل بالتسوية ، وان يقبل ببعض الشروط المريرة من جراء ضغط اللحظة الراهنة ، وعندما يتلاشى الضغط فأن مرارة مثل هذه تشتد ، ويشعر كل طرف من طرفي الهدنة بالحافز للتخلص من هذه الالتزامات ، ويرى الإمام علي ان ذلك هو السبب نفسه الذي يجعل من إنجاز الوعد فعلا نبيلا " حط عهدك بالوفاء ، وارع ذمتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس اشد عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم ، وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود … فلا تغدرن بذمتك ، ولا تخيس بعهودك ، ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي " ان الإمام علي كان وفيا لمقتربه الأخلاقي في الحياة والسياسة ، وإيمانه الراسخ بأن على الحاكم ان يطيع الضرورة قبل أي اعتبار آخر عندما تكون الضرورة أخلاقية في ذاتها ، وعليه ان يواصل مسلكه الأخلاقي ، وهكذا ممكن ان نقول ان الإمام علي ينضم الى الفئة التي تضم موسى ، وسايروس ، وروميولوس ، وعيسى ، وثيسيوس . كان الإمام علي محييا لدين ، ومؤسسا لدولة ، وقد نجح في تحقيق غايات الحكومة أي ( العدالة ) وتدبير الخير العام ، وعلى أية حال يقف الإمام علي كتحدّ لكل النظريات التي تقضي بان من الضروري ( للأمير ) اذا رغب في البقاء في السلطة ان يتعلم كيف أن لا يكون خيرا ، وكيف يستخدم معرفته ، أو يحجم عن استخدامها عندما يحتاجها ، فالإمام علي لم يخسر حربا أبدا ، ولم يخسر دولته رغم كونه خيرا في مواقفها بأسرها ، هكذا احتفظ بدولة قوية وظافرة ، حققت العدالة ، وأسست الديمقراطية ، من دون ان يعرض أخلاقيته للشبهة ، أو ان ينتهك مبادئ الأخلاق كما أسلفنا وقلنا في بداية الدراسة .





 

Counters