الأثنين 9/3/ 2009
بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لإستشهاده( وحدة الحزب والجبهة الوطنية )
أبرز مآثر الشهيد سلام عادل !داود امين
تمر في التاسع من آذار الحالي الذكرى الخامسة والأربعون لإعلان إنقلابيي شباط الآسود عن إستشهاد السكرتير الأول لحزبنا الشيوعي العراقي، حسين محمد الرضي ( سلام عادل ) بعد أن تعرض لتعذيب وحشي قل نظيره، من قبل حفنة من القتلة والسفاحين الذين أغرقوا العراق بالدم طوال أشهر حكمهم السوداء، وبهذه المناسبة المؤلمة نستذكر هذا الشهيد المقدام، بإلإشارة ولو السريعة، لبعض من مآثره الكثيرة ومن بينها مآثرة ( توحيد الحزب الشيوعي ) ومأثرة إقامة (جبهة الإتحاد الوطني) ومن خلال هاتين المأثرتين البارزتين يمكن للمتابع أن يتلمس الدور المتميز الذي لعبه الشهيد الخالد ( سلام عادل ) في جوانب العمل الحزبية والوطنية الأخرى، والسمات القيادية النادرة التي كان يتمتع بها والتي أهلته لقيادة أكبر حزب جماهيري في ذلك الوقت، تلك السمات التي توجها بإستشهاد بطولي يخجل القتلة اليوم من تذكر بشاعته وساديته !
مأثرة توحيد الحزب
من المعروف إنه بعد إعدام مؤسس الحزب وقادته يوسف سلمان (فهد ) وحازم وصارم شباط 1949 ، تعرض الحزب الشيوعي لإنتكاسة كبيرة، لم يكن من السهل تجاوزها، خصوصاً في ظل غياب العقل القيادي المتمتع بالإمكانيات الفكرية والسياسية والملتصق بقضايا الجماهير وهمومها، والتي تؤهله لقيادة حزب شيوعي أصبحت جذوره عميقة في التربة العراقية، وأصبحت الأحزاب الوطنية العراقية تنظر اليه كقوة يحسب حسابها في الموازنات السياسية، لقد خسر الحزب بإستشهاد فهد ورفاقه عقولاً قيادية قادرة على تكييف أشكال النضال والعمل السياسي وممارسة العمل السري الصعب في ظل سلطة إرهابية تواصل ملاحقة الشيوعيين دون كلل، وتحاول إجتثاثهم من جذورهم.
لقد تسلم الموقع الأول بعد إعدام الرفيق فهد قادة هامشيون، لم يثبتوا جدارتهم لإشغال هذا الموقع الهام، وكان من بينهم بهاء الدين نوري الذي قاد الحزب بين أعوام 1951 و1953 ، وبعد إعتقاله في 13 نيسان عام 1953 إحتل الموقع الأول، ولفترة قصيرة الرفيق كريم أحمد الذي لم يكن حينها أفضل من سابقه في الأمكانيات السياسية والفكرية، وفي هذه الفترة تفتت الحزب لعدة مجموعات، تدعي كل مجموعة أن الحقيقة ملكها، ومن بين هذه المجموعات، كانت مجموعة ( وحدة الشيوعيين ) التي كان يقودها الرفيق ( عبد الرحيم شريف ) ومجموعة ( راية الشغيلة ) التي كان يقودها الرفيق ( جمال الحيدري )، وأصبحت كل مجموعة تعمل كحزب مستقل! ثم تسلم الموقع الأول حميد عثمان، وهو شخصية متهورة، كان يظهر الكثير من الحماس، الى جانب القليل من الحكمة، فقد الزم نفسه والحزب بأهداف أكبر من طاقته، وورط الحزب في مواجهات غير محسوبة مع أجهزة السلطة وشرطتها في ظروف جزر الحزب والحركة الوطنية، فمرة يرفع شعار ( الإضراب العام ) وأخرى شعار ( الكفاح المسلح ) كما تميز بروح التسلط والفوقية مع رفاقه بالأضافة الى حب الذات!
في حزيران 1955 قررت اللجنة المركزية تنحية حميد عثمان وإنتخاب الرفيق حسين الرضي سكرتيراً عاماً للحزب .
وكان أمام السكرتير الفتي مهام متعددة ومتشعبة وبالغة الصعوبة، ومن بين أهم تلك المهام وأكثرها إلحاحاً، هي مهمة توحيد الحزب، أي وحدة المجموعات الشيوعية التي تفتت عن الحزب، والتي تضم شيوعيين مخلصين، أبعدوا أو سلكوا طريق الإنفصال عن الحزب بسبب خطايا وإنتهاكات بعض القادة ومن شغلوا المسؤوليات الحزبية العليا! ولم يكن الحوار سهلاً مع هذه المجموعات، خصوصاً وإن التقليد الحزبي السائد هو أن تعترف تلك المجموعات بخطأ إنفصالها عن الحزب وخطأ الرفاق الذين كانوا في قوامها، ثم تعود للحزب دون قيد أو شرط ! ولم يكن الأمر هيناً إلا على شيوعيين مخلصين يعرفون معنى الأنتماء لحزب شيوعي، ويقدرون قيمة وحجم ومكانة من يفاوضهم بإسم الحزب ! لقد إستمر الحوار مع أعضاء هذه المجموعات أشهراً طويلة، ولكنه أثمر في النهاية في عودة المجموعتين الهامتين وهما ( وحدة الشيوعيين ) التي حلت نفسها وإندمجت بالحزب في 25 نيسان 1956، ومجموعة ( راية الشغيلة ) التي فعلت الشيء نفسه في 17 حزيران 1956 ، وقد لعب الشهيد حسين محمد الرضي دوراً متميزاً في هذا الإنجاز الهام، والذي كان من نتائجه إنتخاب لجنة مركزية موسعة ضمت كفاءات هامة، كانت ضمن المجموعتين السابقتين، كما أصدر الحزب جريدته المركزية الجديدة ( إتحاد الشعب ) وذلك في 22 تموز 1956 ، وبتوحيد الحزب وتضميد جراحه، جرت تعبئة حقيقية لطاقات الرفاق في النضال من أجل الأهداف الوطنية والطبقية النبيلة ، وبدأ الحزب بتحقيق نجاحات كبيرة، وعلى مختلف الصُعد ، وكان أهمها وأشملها قيام ثورة الرابع عشر من تموز بمشاركة الشيوعيين العسكريين وأعضاء الحزب وأصدقائه وجماهيره .
مأثرة جبهة الإتحاد الوطني
قلت أن السياسة التي رسمها وسار عليها حميد عثمان، حين توليه الموقع الأول في الحزب قد أضرت بالحزب كثيراً، خصوصاً سياسته المتياسرة والمتطرفة ، وتبنيه خطاً إنعزالياً إستخف بالحركة الوطنية العراقية، إذ راحت صحافة الحزب أثناء قيادته تكيل التهم لأحزاب المعارضة الوطنية واصفة إياها بالجبن والخنوع والعمالة! وقد أضرت هذه اللغة المتعالية بالحزب وعكست ثقة مفرطة وغير مدروسة ولا واقعية بالنفس، وميل واضح لإستصغار الأخرين وإحتقارهم، وقد حصد الحزب بسبب هذه السياسة الخاطئة عزلة وتشكيكاً غير مسبوقين، من قبل القوى الوطنية، وحين إستلم الشهيد ( سلام عادل ) قيادة الحزب ، كانت أمامه تركة هائلة على هذا الصعيد، لكنه ومنذ الأيام الأولى لتسلمه قيادة الحزب ، بدأ بطرح سياسة جديدة في هذا الميدان، سياسة مرنة ترفض فكرة ترؤس الأخرين أو إستخدامهم أنياً وإهمالهم في الغد! ففي آب عام 1955 ، أي بعد شهرين فقط من تولي سلام عادل موقع السكرتير عممت اللجنة المركزية للحزب قراراً جاء فيه { علينا نحن الشيوعيين أن نعي مسؤولية خاصة، مسؤولية أخوية في الحركة الوطنية، علينا أن نحترم بإخلاص أراء الأخرين حتى عندما تتعارض مع أراءنا، إن تكرار القول إننا وحيدون في الميدان، الذي كثيراً ما تم تأكيده بإعتزاز وغرور خاطيء، يعكس تقديراً غير واقعي من ناحيتنا للقوى الوطنية الأخرى، إن القيادة الثورية، قيادة الطبقة العاملة لم تكن أبداً تعني تخويف الحلفاء، أو وضعهم في بقعة صغيرة ضيقة، بل تقويتهم بروح التسامح واليقظة والتضحية بالذات } بعدها تم الأتصال بالجادرجي زعيم الوطنيين الديمقراطيين، عبر الرفيق عزيز الشيخ، ثم إزدادت ثقة سلام عادل بالحزب وإمكانياته بعد توحيد الكتل التي كانت خارجه، وفي التقرير المقدم للكونفرنس الثاني في أيلول 1956 كتب الرفيق سلام عادل مايلي { الجبهة الوطنية تطرح نفسها اليوم كضرورة تأريخية، وألأنتصار على العدو المشترك مهمة صعبة، ما من حزب يستطيع تحقيقها بمفرده } وكانت بداية العمل الجدي في هذا المجال، أثناء العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة في 30 تشرين الأول عام 1956 ، حيث تكونت قيادة ميدانية تضم ممثلين عن أحزاب المعارضة، وفي الأسبوع الأخير من شهر شباط عام 1957 ولدت ( جبهة الأتحاد الوطني ) ورغم برنامجها المتواضع والذي نص على خمسة مطالب رئيسية هي :
إزاحة حكومة نوري السعيد .
إنسحاب العراق من حلف بغداد ومحاربة إنتهاكات الأمبريالية.
إتباع سياسة الحياد الإيجابي .
إطلاق الحريات الديمقراطية والدستورية وإلغاء الأحكام العرفية .
إطلاق سراح السجناء وإعادة المفصولين الى مدارسهم ووظائفهم .
أقول رغم هذه المطالب المتواضعة والتي لا تشير الى إزاحة النظام الملكي ومسألة تغييره، إلا أنها كانت خطوة جبارة في الطريق الصحيح، إذ بعدها بأيام، أي في التاسع من آذار 1957 كانت مطبعة الحزب تطبع الاف النسخ من برنامج الجبهة وترسلها لجميع أنحاء العراق، كما شكلت الجبهة ( اللجنة الوطنية العليا ) المكونة من أربع شخصيات هي ( محمد حديد ) نائب زعيم الوطنيين الديمقراطيين، و(فؤاد الركابي) زعيم حزب البعث، و(محمد مهدي كبه) زعيم حزب الإستقلال و(عزيز الشيخ) عن الحزب الشيوعي العراقي، وحين أعتقل الرفيق عزيز في كانون الثاني 1958 حل محله الرفيق( كمال عمر نظمي ).
وقد شكلت الجبهة تغيراً نوعياً في الوضع السياسي، وإستقطبت المجتمع العراقي أكثر من أي وقت مضى، الى درجة أنها أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لبنية النظام الملكي، وهذا ما حصل بالفعل .
ورغم الأتفاق الفوقي بين قيادات الأحزاب المكونة لجبهة الأتحاد الوطني، فإن سلام عادل وبحكم ثوريته وقربه من الناس، كان يفكر بشكل أخر، فقد شهدت معظم مدن العراق، وبتوجيه ودفع منه، نشاطاً تعبوياً لتوثيق التعاون الوطني على جميع الأصعدة، وقد إقترن هذا النشاط بتحريك المنظمات الديمقراطية والإجتماعية التي كان الشيوعيون يلعبون الدور المميز في قيادتها كإتحاد الطلبة وإتحاد الشبيبة الديمقراطي ورابطة المرأة العراقية الى جانب حركة السلم ونقابات الأطباء والمحامين والمعلمين، لقد كان سلام عادل يعي إن مسألة إقامة اللجان الوطنية ونشرها في مختلف أرجاء الوطن، هي الحلقة الرئيسية التي ينبغي أن تنصرف اليها كافة الجهود في اللحظة الراهنة، وبدونها ستبقى وحدة القوى الوطنية في اللجنة العليا لجبهة الأتحاد الوطني، تدور في حلقة ضيقة من حيث النشاط والتأثير، وقد إنعكس قيام جبهة الأتحاد الوطني على توحيد التشكيلات العسكرية للضباط الأحرار، وأوجد تفاهماً أكبر بين معظم المجموعات التي كانت تعمل سراً داخل الجيش، مما أدى في النهاية لقيام ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وإنهاء النظام الملكي .
المجد والخلود للشهيد البطل والقائد الشيوعي المقدام سلام عادل، في ذكرى إستشهاده السادسة والأربعين، والخزي والعار لقتلته المجرمين.
09-03-2009