مهرجان اللومانتيه
خيمة (طريق الشعب) للفنان محمود صبري هذا العام
(1)داود أمين
باريس أنثى لعوب، تستثيرني في كل مرة ( والمرات أصبحت لا تُعدْ ) تستفز شيخوختي، تدفعني لمطاردتها، وإقتناص المُغري من لذائذها. أمام سحرها وفتنتها، أنا مستسلم ومنقاد. تجرني - رغم أنفي - شوارعها وساحاتها والشاخصات من مفاتنها. في باريس يجر التعب أذياله هارباً، ويندحر التثاؤب، ويسقط الخمول، ففي حضنها تستيقظ خلايا الجسد، من سباتها وركودها المُمل مُتجددة وفاعلة، ويتدفق الدم حاراً وحيوياً ومفعماً بالنشاط.
ما أن تطأ أقدامي أرض واحد من مطاراتها، حتى يسكنني مزاج آخر، مزاج يلغي كآبة، راكمتها أخبار عراق الفساد والرشوة وغياب الخدمات! ففي منتصف أيلول من كل عام ، أهيئ قلبي لمسرات أيام لا تُنسى، وأدفع روحي لخوض مغامرة فرح إستثنائية، موقناً أن الإبتسامة ستكون سيدة الأيام التي سأمضيها هناك! والضحكة علامة فارقة، تسكن وجوه من سأعاشرهم، في خيمة طريق الشعب وخارجها.
يوم الإفتتاح
ظهر يوم الأربعاء نزلت في مطار شارل ديغول، وحدي هذه المرة، فرفيقي، الفنان طالب غالي، الذي سيشاركني غرفة الفندق، سيصل بعدي بثلاث ساعات، وبعد جولة لإستطلاع المكان حول الفندق، جلست في صالة الإنتظار لأستقبل في السادسة تقريباً، ( أبو لنا ) وأخي أمير وإبنه وإبنته والرفيق ( أبو إيهاب )، وكانت فرصة لمجموعتنا، بعد أن وضعت أمتعتها، أن تجد مطعماً قريباً تتناول عشائها فيه.
طالب غالي
الليلة الأولى كانت صعبة، فالغرفة الصغيرة التي نشغلها يحتلها سرير( لنفرين )، تركته بالتأكيد لصديقي طالب، ول(عوده !) الذي تمدد إلى جانبه بإسترخاء ! أما أنا فكان عليَّ أن أرتقي كل يوم، سلماً معدنياً يقودني لسرير معلق، بينه وبين السقف مسافة لا تزيد عن نصف متر! ولأن السكن في الأعالي خانق ومتعب لمن في سني، فقد فتحت شباك الغرفة، لأستضيف كل ضجيج سيارات الشارع، الذي لم ينقطع السير فيه!
نحن والصكارصبيحة الخميس، كان همنا الرئيسي ( طالب وأنا ) أن نلتقي الشاعر الفنان محمد سعيد الصكار، وقد منحتنا فترة الفطور في مطعم الفندق، فرصة محادثته تلفونياً، والإتفاق على لقائه ظهر نفس اليوم، ولم يكن صعباً الوصول للمكان القريب من بيته، إذ تبين إننا نسكن في منطقة واحدة. وفي الموعد المحدد لاحت القامة الناحلة مثل حلم، للعزيز (أبو ريا) وهو يمشي بهدوء وبطء مستعيناً بعصا.
الصكار
ولأني لم أره منذ أسبوع المدى الثقافي في اربيل عام 2006، فقد لاحظت الفرق الكبير بين ما كان عليه، وما هو عليه الأن! لكن روحه ظلت كما أعرفها مشرقة ودافئة، كما ظلت الإبتسامة ساكنة في تقاطيع الوجه الطافح بالطيبة والمودة والوفاء، ولأن لسعة البرد كانت مؤثرة عليه أكثر منا، نحن الذين نصغره ببضعة أشهر !! فقد دلفنا مطعماً تركياً شربنا داخله القهوة والشاي، في إنتظار الصديق العزيز الدكتور حسين كركوش، الذي (خرمشتني) لحيته النامية، وأنا أحتضنه، والتي قال إنه أطلقها بسبب الحساسية، وليس لأسباب دينية!
في المطعم التركي
الصكار الفرِح بهذا اللقاء الذي إنتظره طويلاً، أصر أن يحتفي بضيوفه، على الطريقة الخالصية البصرية، وهكذا وجدنا أنفسنا وسط مطعم راق، رحب صاحبه والعاملون فيه بالصكار وضيوفه، فهو كما يبدو زبون دائم في هذا المطعم، وكانت الوجبة المغربية الشهيرة! قد إحتلت طاولتنا، وتحول موضوعها لمناسبة لإشاعة روح الفكاهة والمرح بيننا، كما أن النادلة الحسناء جداً، المُشرفة على طاولتنا، إستقبلت غزلي بإبتسامة شاكرة، وبدم نطَّ سريعاً نحو الخدين!
الموضوعات تشعبت في الجلسة التي إمتدت لأكثر من ساعتين، وكنا ننتقل بين السياسة والثقافة وهموم الوطن! كما تحدثنا عن أمنية قديمة لي، وهي أن أجري مقابلة مطولة للصكار، وقد تعرفت في هذه الجلسة، على الطريقة التي يمكن أن أحقق فيها أمنيتي تلك.
بعد توديع الصكار إلتقينا، حسب الإتفاق، بأخي امير واولاده والرفيق ابو إيهاب وتوجهنا نحو مكان المهرجان، ولأن فندقنا جديد والأمكنة التي نحن فيها كلها جديدة علينا، فقد مشينا ساعات طويلة دون أن نهتدي لمكان المهرجان، مرة نركب باصاً فنكتشف انه يسير بالإتجاه المعاكس (مو مال قناة الجزيرة!) ومرة نأخذ المترو (وهم يطلع غلط !) وكنت امشي مبتسماً ولا مبالياً، فالتوهان في باريس متعة وإكتشاف، وانا متفق مع نفسي منذ سنين، أن أسترخي ولا أتنفرز مهما واجهت من مصاعب أثناء السفر، والحقيقة إن أقدامي فاجأتني على هذا الصمود والمواصلة، فأربع ساعات من المشي تكفي لإحراق السكر الزائد في دمي، بحيث لم يبق ما أخوط به إستكاناً واحداً من الجاي!!
والغريب إننا عندما وصلنا لباب المهرجان الرئيسي بعد كل ساعات المشي الطويلة تلك، فاجأنا الرفاق الفرنسيون الواقفون امامه قائلين إذهبوا للباب الثاني! ولم يكلفنا الوصول للباب الثاني سوى نصف ساعة أخرى من المشي! وكنت اواصل الإبتسام، وأنا أستمع لتأوهات صديقي الفنان طالب غالي، وهو يردد : ولك هلكت! راحت رجليه! وكنت أقول له : هاي فرصة خلصنه من السكر، وداعتك واحدنه صار أمَّر من العلكم!
محمود صبري
خيمة الحزب التي وصلناها كانت توشك على وضع اللمسات الأخيرة، فالرفاق الذين سبقونا من البلدان الأوربية ورفاق منظمة فرنسا، أبلوا أحسن البلاء، وأوشكت كل تفاصيل الخيمة على الجهوزية والإكتمال، المسرح توسط الخيمة، كما في العام الماضي، لكنه كبُر قليلاً، وهذا ليس غريباً فأنا أيضاً كبرت! في خلفية المسرح كانت صورة الفنان التشكيلي الفقيد محمود صبري، التي رسمها الفنان صلاح جياد، تحتل مساحتها الواسعة، فالخيمة هذا العام هي خيمته، وهو يستحق ذلك بجدارة وإمتياز، وإلى يمين الصورة باقة ورد كبيرة، تقف فوق مسند خشبي. أمام الصورة إمتدت طاولة صغيرة، خلفها بضعة كراسي، لجلوس من سيعلنون إفتتاح الخيمة، ويقدمون فعاليات يوم الإفتتاح.
فيصل لعيبي
قبل أن أصل الخيمة كنت أمني النفس بكرسي ارمي جسدي عليه، وأمد أقدامي المنهكة امامه بإسترخاء وكسل، لكني عندما دخلت الخيمة نسيت ساعات المشي، وسهوت عن ألم القدمين، فقد وجدت نفسي مُسرفاً في الإحتضان والتقبيل، فالكل عِرِف، والما اعرفه مو خسارة بيه البوسة ! فجماعة فرنسا من خالد لعدنان لصباح لعلاء لمازن، ذولة من أحبال المضيف ! وابو فرح وام فرح من أعز الأعزاء، وشباب بولونيا مثل أولادي، وسلام وإبنتها، كنهران وإبنتها، أما فيصل لعيبي وطه رشيد وزوجته العزيزة أم سلام وقتيبة الجنابي وأبو نيسان، فقد جمعتني بهم عقود من السنين في أمكنة وظروف مختلفة، لذلك ففرحي بلقائهم يستحق أن أغافل تعبي واتناساه وانا أحتضنهم وأقبلهم، ولم يكن فرحي بأقل عندما إحتضنت الضيف الدائم للمهرجان، والشغيل الجاهز لكل تكليف، الرفيق عبد المنعم التميمي، الذي تربطني به وبعائلته وأخوته صلة حميمة.
محمد الكيم
الوقت كان يمضي سريعاً. ملامح جلسة الإفتتاح بدأت تتضح، عندما تناول الرفيق الشاب محمد الكيم المايكرفون، وبدأ ترحيبه بالحاضرين بكلمات وأشعار شيقة ودافئة .
خالد الصالحي
ثم قدم الرفيق خالد الصالحي ليقدم كلمة منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فرنسا، والتي اشار فيها الرفيق خالد لتسمية الخيمة هذا العام، بإسم الفنان التشكيلي الكبير محمود صبري، صاحب نظرية ( واقعية الكم ) ومبدع مئات اللوحات التشكيلية الرائعة، ثم أشار لتأريخ مساهمتنا في هذا المهرجان، والأسماء الأولى التي بادرت للعمل، في كشك صغير، تحول مع مرور السنين لهذه الخيمة الكبيرة .
مفيد الجزائري
وبعد كلمة الرفيق خالد قدم عريف الحفل الرفيق مفيد الجزائري، عضو اللجنة المركزية للحزب، ليتحدث عن آخر تطورات الوضع السياسي في الوطن، وقد حيا الرفيق مفيد الحاضرين، من رفاق منظمة فرنسا وأصدقائهم، والقادمين من بلدان أوربا المختلفة، وإعتبر خيمة طريق الشعب، خيمة لكل العراقيين، على إختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، ثم أشار للوضع المعقد الذي يعيشه الوطن، بسبب سياسة المحاصصة والطائفية، وسلوك الطبقة السياسية التي تتسيد المشهد السياسي، كما تحدث عن التيار الديمقراطي، والآمال المعقودة على نشاطه وفاعليته.
أثناء كلمة الرفيق مفيد الجزائري، كانت مجاميع جديدة أخرى تفد إلى الخيمة، فقد وصلت مجموعة نساء لندن، المكونة من أم سمير وشقيقتها سلوى، وفوزية وحميدة ورؤيا، وكذلك مجموعة مدينة يوتوبوري السويدية، المكونة من نجلة وزوجها وسوسن وهدى والدكتورة لمياء وأختها وغيرهن، كما وصل صديقي العزيز إبراهيم الجزائري، المنقطع منذ سنين عن حضور المهرجان! وقد هراني هرياً بالبوس المصحوب بجملة (أجمل شباب الحزب !) ولكي لا تنطلي عليّ كلمة (شباب) وأصدقها، تطلعت في صور أحفادي الأربعة، وحمدت الله أن الشباب (كان زمان!)، كما حضرت جماعة ألمانيا يقودها الفنان أسامة، الذي كتبت عنه في العام الماضي، دون أن أعرفه، لذلك سارع هذه المرة للقول : آنه إبن جبار صبيح ! فتحسست رقبتي مبتسماً، فكم من (راشديات) إستقبلت ( علباتي ) من معلمي في الإبتدائية، والده المرحوم جبار صبيح!
البطون هذه المرة كانت تستغيث، فالساعة تجاوزت التاسعة مساءاً، والذين منّوا النفس بالقيمة التي ستعدها أم فرح، أجهِضت أحلامهم، فأم فرح وصلت اليوم متأخرة، والقيمة ينرادلها وقت، لكن الباميا ليست قاصرة، وإذا كانت القيمة أكلة نجفية، فهذا يعني إنها أكلة (مناطقية) في حين إن الباميا أكلة (عراقية) عامة، وفيها ملمح وطني واضح! وهكذا أقبلت الجموع على قدور الباميا والتمن والطرشي النجفي، مكتسحة ما يصادفها من عراقيل واصلة حتى (الحكاكة).
ورغم أن الخيمة كانت مغلقة، فالفعالية اليوم داخلية وللعراقيين فقط، وهناك فتحة صغيرة في الخيمة (لشم الهوه !) إلا أن بعض الفرنسيين، دلفوا من تلك الفتحة لداخل الخيمة، وقد إجتذبتهم رائحة دسم فائحة، ومدوا صحونهم البلاستيكية مثل غيرهم، وتنعموا بما تنعمنا به من كرم رفاق منظمة باريس.
برنامج يوم الإفتتاح أوشك على نهايته، والمجاميع التي كانت تملأ الخيمة، بدأت تتسرب نحو فنادقها وأمكنة مبيتها، مجموعة الدانمارك وفنلندا شكلت مفرزة أنصارية، يقودها ملازمان، هما الملازم أبو ميسون والملازم أبو الفوز، ولأن تعب المشي السابق قبل ساعات، لم تزل آثاره باقية في الجسد، فقد أصبحنا نمشي إثنين إثنين وبمسافات، كما كنا في الجبل.
الرفيق طه رشيد، بإعتباره باريسياً مخضرماً، إستفاد من إسم والده لإرشادنا على الطريق، فسرنا وراءه طائعين، وبعد عدة كيلو مترات من المشي المُهلك أوقفنا عند موقف باص، قائلاً إنه ومجموعته سيأخذ الباص 147، أما نحن فسنأخذ الباص 133، وعندما غادر العزيز ابو سلام مع مجموعته في باصهم، إكتشفنا إن لا باص لنا بعد هذه الساعة المتأخرة! وأمام هذه الخيبة الجديدة، نصحنا العارفون بالمشي نحو محطة المترو، والتي لا تبعد سوى مسافة 12 محطة باص! فبدأنا رحلة مشي جديدة، لهضم الباميا التي تناولناها قبل ساعة، وبعد أن قطعنا مسافة عشرة مواقف، توقفت إلى جانبنا سيارة حمل صغيرة، فيها الرفيق عدنان وزوجته وإبن أختها هشام، وكانت المفاجأة إنهم يسألوننا عن رفيقات لندن، فقد إتصلن بهم قائلات، أنهن قد تهن ولا يعرفن الطريق نحو الفندق ! ولما لم يكن لدينا جواب عما يسألون، فقد غادرونا مسرعين، ليعودوا بعد حوالي ربع ساعة قائلين : يلله إصعدوا! وفتح الرفيق عدنان الباب الجانبي لسيارته حاشراً، إلى جانب رفيقات لندن الخمس الجالسات على أرض السيارة، أكثر من عشرة رفاق جدد، ظل معظمهم واقفين! أما أنا فقد أنزل الرفيق عدنان، إبن أخت زوجته الشاب هشام وحشره مع الآخرين، ليجلسني مكانه في الصدر! وكانت تلك الرحلة الشاقة، من أعذب لحظات هذا اليوم وأمتعها، فمع كل (طسّه) وتوقف مفاجيء للسيارة، يرتطم الجميع ببعضهم، ويتعالى الضحك والتعليقات، حتى وصلنا لفنادقنا بسلام، في ساعة متأخرة من الليل .
يتبع