باسم محمد حسين
bassim532003@yahoo.com
أصحاب القسم يسرقون الضعفاءباسم محمد حسين / البصرة
الأسبوع الماضي اصطحبت حفيدتي الى طبيب الأمراض الجلدية بسبب ظهور طفح جلدي في فخذيها ، الزحام شديداً عند طبيبنا الصديق اضطررنا الى مراجعة غيره في منطقة العشار مركز مدينة البصرة وكالعادة أخذنا رقماً تسلسلياً وانتظرنا ومن ثم فَحَصَ الطفلة ووصف لنا الدواء المكون من أربع فقرات ، اثنين منها قناني شراب واثنين آخرين عبارة عن خلطات لبعض العصارات الدهنية كي تتلائم مع نوع التحسس الجلدي ، لم أتفاجأ بارتفاع سعر تلك الوصفة لأنني أعرف بعض أسعار الأدوية بحكم تناولي العديد منها بشكل مستمر و تواجدي أحياناً كثيرة ضيفاً في صيدليات بعض الأصدقاء الصيادلة ولكن المفاجأة بدأت عندما لاحظت أن معاون الصيدلي يُدوِّن أسماء مرضى هذا الطبيب والذي تجاور عيادته هذه الصيدلية في قائمة منفردة دون بقية الوصفات القادمة من أطباء مجاورين آخرين ، والعادة الجارية عندنا في بصرتنا التي امتلأت بالعديد من الأمراض وخصوصاً بعد عام 1991 أن يعود المريض مجدداً للطبيب كي يتأكد من الدواء ويعطي تعليماته بتناوله واستخدامه وكان لنا ذلك ، والمفاجأة الثانية أن طبيبنا بعد أن أرشدنا بتعليماته احتفظ بالوصفة في درج مكتبه حيث أضافها الى وصفات أخرى كانت موجودة مسبقاً ولم يعيدها في كيس الأدوية كما يفعل باقي الأطباء ، والمفاجأة الثالثة عندما أردنا استخدام الدواء (الخلطة) لم نجد مكوناته مكتوبة في الورقة الملصقة على العبوة البلاستيكية كما هي العادة بل وجدنا فقط رقم (1) على إحداها ورقم (2) على الثانية وهذا يعني بأن الصيدلية وضعت هذين الرقمين بموجب تسلسلهما في الوصفة ، وفي حال الحاجة الى تكرار العلاج يتوجب العودة للطبيب للمعاينة مجدداً مقابل أجور أخرى .
لم ترق لي هذه الممارسات جميعها وكانت شكوكي كثيرة ولكن أردت أن لا أظلم الناس ونفسي معهم فذهبت الى أصدقائي من ذات المهنة مستفسراً عن هذه التصرفات الجديدة ، وهنا كان التأكد من تلك الشكوك حيث أن تسجيل الأسماء في الصيدلية واحتفاظ الطبيب بالوصفة هي آلية الدفع الآجل للطبيب نهاية ساعات العمل إذ أن له حصة نقدية مقابل هذه الوصفات تبلغ في مثل حالتنا عشرة آلاف دينار تزداد في حالة كون الدواء أكثر سعراً وهنا بدأت أستذكر تفاصيل تواجدي هناك حيث أن وصفتنا كان ينقصها أحد المكونات الأمر الذي استدعى إرسال العامل الى صيدلية أخرى لجلبه من هناك ولاحظته عند العودة يحمل عصارة دواء مصرية الصنع وبدأت أربط الأمور لأن الصيدلي كان قد قال لي أن سبب ارتفاع السعر هو أن المواد المكونة لدوائكم أصلية المنشأ وغالية الثمن ووقتها لم تكن عندي هذه الشكوك لأني لم أعتاد على هذه الطريقة في العمل ولا الناس الذين يتحملون ضيافتي يومياً في صيدلياتهم ، كان المبلغ المستوفى مني 28000 دينار واعتقد بأنه مضاعف عن ما يستحق لأن أسعار العصارات الأربعة لا يتجاوز الستة ألاف دينار يضاف لها أجور العمل وسعر العبوات فتكون من 8 – 10 آلاف دينار وسعر زُجاجَتـَي الشراب بحدود 3 – 4 آلاف فيكون الإجمالي 14000 دينار إن لم يكن أقل بينما (قفصوني) بضعف المبلغ .
هذا الطبيب يفحص بحدود الثلاثين مريض يومياً في الأقل أي أن إيراده بحدود 450 ألف دينار ولتكن مصاريف عيادته من إيجار وكهرباء وخدمة بحدود 50 ألف دينار فسيكون دخله الشهري 12 مليون دينار ناهيك عن راتب الدولة بحدود 3 ملايين وهو مبلغ يغطي كافة احتياجاته بل يفيض عنها ، إذن فإن مدخراته لا تقل عن 10000 دولار شهرياً وهي أقل قليلاً من راتب الرئيس أوباما .
متى يقتنع مثل هذا الطبيب وغيره ممن يمارسون هذا العمل الدنيء ويتقاضون أجوراً مقبولة ؟ متى يرتقي هذا الصيدلي ومن مثله الى التفكير الإنساني النبيل ولا يبخسون حق المرضى في الحصول على دوائهم بالسعر المعقول والذي يجب أن يوفر لهم ربحية مقبولة تمكنهم العيش في بحبوحة نتيجة جهودهم في الدراسة التي أوصلتهم لهذه المهنة . كما أن المسؤولية التي يفترض أن يتحملونها ليست سهلة إذ أن أي خطأ في تركيب الدواء قد يكون ذا تأثير سلبي كبير على المريض .
هؤلاء أصحاب القسم فكيف يتعامل مع الآخرين مَنْ لـَم يقسم بشرفه على خدمة الناس ؟ أعتقد أن شاعرنا كان مخطئاً عندما قال ((الناس للناس من بدوٍ ومن حضرٍ بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ ))
إذا أردنا العيش فيجب أن نعيش مع الآخرين ونركب ذات السفينة ونساهم بدفعها الى الأمام ولكن بدون هذه التصرفات .
ظاهرة سلبية يجب معالجتها قبل أن تنتشر وتستفحل وتصبح سياقاً متداولاً بين الناس ومن الممكن أن تبدأ المعالجة من نقابة الأطباء بالتوجيه تليها جهات الرقابة الصحية في وزارة الصحة بآلياتها الإدارية وآخرها القضاء .