د. بهجت عباس
http://dr-bahjat.com
الخميس 17/12/ 2009
تكلم أنت أيضاً *للشاعر الروماني باول تسيلان (1920-1970)
ترجمة وتقديم د. بهجت عباسباول تسيلان شاعر رومانيّ ولد عام 1920 لأبوين يهوديين . كان يدرس الطب في رومانيا عندما غزت ألمانيا النازية رومانيا وسيق وأبواه إلى معسكرات الاعتقال النازية حيث أعدم أبواه ، فتغيّـرت حياته.
وعندما احتل السوفييت رومانيا عام 1944 ، أُطلق سراحه من السّجن فعاش في بوخارست فترة قصيرة غادرها بعدئذ إلى فيينا ومن ثم إلى فرنسا حيث عمل فيها طيلة ما تبقى من حياته التي أنهاها بالإنتحار غرقاً في نهر السّين عام 1970. يكتب بالألمانية ويجيد اللغات الفرنسية والإنكليزية والرومانية وقد ترجم من هذه اللغات لكثير من الشعراء والأدباء وظهرت أشعاره في ستة كتب منها "خشخاش وذاكرة"
تكلم أنت أيضاً
تكلم كآخر المتكلمين
انطِق بكلماتك
انطِق –
ولكن لا تفصل بين الـ)لا( والـ (نعم)
أعطِ كلماتِك المعنى
أعطِها الظِّـلَّ .
أعطِـها ظلاّ كافياً،
أعطِـها أكثر
ما تعرف ما هو منتشر حولك -
بين منتصف الليل والظهيرة ومنتصف الليل.
ألقِ نظرةً حَـواليـك:
أنظرْ! كيف يغدو ما يُحيط بك حيّـاً –
عند الموت! حيّـاً،
ينطق صدقاً، من ينطق ظلاّ.
ولكنِ الآن يتقـلّص المكان ، حيث تقف :
الآن إلى أين ، أيها المُـعَـرّى من الظِّـل ، إلى أين ؟
تسلّـقْ . جَـرِّبْ الصّعـودَ.
تغـدُو أنحـلَ ، غيرَ واضحِ المعالمِ ، أرقَّ !
أرقَّ : خيطاً
تريد أنْ تـنحدرَ عليـه ، النجمـةُ :
إلى أسفلَ ، لتسبحَ ، أسفلَ ،
حيث ترى ذاتَها تلمع : في رهافـة
الكلمات المتجوِّلة .
SPRICH AUCH DU
Paul Celan
Sprich auch du,
sprich als letzter,
sag deinen Spruch.
Sprich –
Doch scheide das Nein nicht vom Ja.
Gib deinen Spruch auch den Sinn:
Gib ihm den Schatten.
Gib ihm Schatten genug,
gib ihm so viel,
als du um dich verteilt weisst zwischen
Mittnacht und Mittag und Mittnacht.
Blicke umher:
Siehe, wie’s lebendig wird rings –
Beim Tode! Lebendig!
Wahr spricht, wer Schatten spricht.
Nun aber schrumpft der Ort, wo du stehst:
Wohin jetzt, Schattenentblösster, wohin?
Steige. Taste empor.
Dünner wurst du, unkenntlicher, feiner!
Feiner: ein Faden,
An dem er herabwill, der Stern:
Um unten zu schwimmen, unten,
wo er sich schimmern sieht: in der Dünung
wanderender Worte.
* ينصح تسيلان أوائل الخمسينات من القرن الماضي القارئ أن يتكلم ولكن لا يفصل الـ(نعم) من الـ(لا) ، يعني أن يتكلم بغموض ، أي أن يعطي الظلّ (التعتيم) لكلماته ولكن أن يعطيه المعنى ، فبهذا يكون كلامه صادقاً عكس الذي يتكلم تحت الأضواء ، حيث يداور ويكذب أو بالأحرى (ينافق) خشية أو طمعاً أو لغاية أخرى ليرضي الآخرين . وهذا يشبه ما نراه اليوم من الكتاب الذين يكتبون بأسماء مستعارة ، حيث يكتب بعضهم بصراحة لأنه غير معروف وإن كان بعضهم يكتب بوقاحة ومن غير نزاهة ، وهذا ما لم يقصده تسيلان. ربما يقترح تسيلان بأننا نتكلم ونفكر في طريقة تحفظ رؤيتنا (فهمنا) شعورنا، وأفكارنا مفتوحة إلى إمكانيات خيالية أو غير خيالية دوماً . كل برهان يحتاج إلى (تغليف) في (نفيه) وكل (نعم) تحاط بهالة (لا) والعكس بالعكس . وهذا يعني لغة الظلّ (Schattensprache) التي استنبطها Ralf Zuschachlitz وهي لغة تسمح بالغموض ، لغة تفصح عن "الحقيقة" لأنها تجمع كل مضادات التناقضات التي ترفض بقوة الكذب الصريح تحت الضياء ، وبمعنى آخر ، التعتيم (الظل) هو (تغليف) وقائي. أما إذا لم يجد المرء نفسه في (ظلال) ، أي أصبح مكشوفاً ، فعليه أن يحاول الصّعود فيصير نحيفاً كخيط تتمنى أن تنزلق عليه النجمة المضيئة إلى الأسفل لتلمع برهافة الكلمات المتجولة (نحيفة من التجوال) ، حتى لا يراها الآخرون إلا بصعوبة .