د. علي الخالدي
لماذا لم يتحول الربيع العربي
الى ثورة إجتماعيةد. علي الخالدي
على مرور الزمن , إعتبر السياسيون واليساريون منهم بالذات أن الثورة اﻷجتماعية هي اﻷنقلاب اﻷكبر في حياة المجتمع , السياسية واﻷقتصادية واﻷيديولوجية . تتبدل بنجاحها أولا السلطة السياسية المسيطرة وتصفى علاقاتها بالمجتمع الجديد وبصورة خاصة ما يتعلق في حياة الناس اﻷقتصادية وعلاقاتها اﻷنتاجية حيث تترسخ علاقات انتاجية جديدة اي يحدث تغيير بأسس أفكار الطغم السياسية ومؤسساتها التي كانت سائدة في المجتمع , هذه ظواهر تكاد تكون طبيعية في أي تحرك ثوري . نتيجة تطور ظروف حياتية مادية في مراحل معينة من تطور المجتمع , وعن التناقضات الداخلية الملازمة لهذا التطور , وأكثر الثورات تحدث كما يشير الربيع العربي في الدول التي يفرض نظامها الشمولي اﻷساليب أﻷكثر رجعية في الحكم , سالكا طرق ملتوية , وفارضا منطلقاته الذاتية بأساليب تخلق ظروفا موضوعية تقود الى التفرد والتحكم بالقرار , خاصة عندما يضع يده وآماله على قوات اﻷمن بعتبارها الملجاء اﻷخير المنقذ من غضب الشعب .
الطبقات الحاكمة القديمة لا تتخلى عن سيطرتها طوعا , إنها تستخدم جميع اﻷساليب غير الشرعية للمحافظة على سلطتها كما حصل في بعض الدول وقد تلجاء الى التقرب من قوى كانت تغازلها , وتعتمد عليها عند اﻷزمات وبصورة خاصة تلك القوى التي تعتنق معادات التحضر والتقدم , قد تقف اثناء التحرك الثوري محايدة منتظرة النتائج كما حدث في شمال افريقيا , أو يُمَهد لها في ايام النظام اﻷخيرة , السيطرة على بعض المناطق كما جرى في اليمن من تسليم مناطق الى السلفين بالرغم من عدم تواجدهم فيها مسبقا , لخلق مضايقات , و وضع العصا في مسيرة التغيرات اﻷصلاحية التي حفزت الجماهير للتحرك . وهنا تظهر الضرورة لتواجد قوى وطنية تقدمية بشكلها العام في الحراك , كإحدى العوامل التي تعمل على اجراء تحولات جذرية في تغيير البنية الفوقية للنظام القديم , وإدخال المفاهيم الجديدة في البنية التحتية للمجتمع لتجعل منها أجهزة تتماهى ومآرب التحرك و تواكب ما وصلت اليه البشرية و تُدخل مبادايء الحياة اﻷجتماعية المنبثقة من الطاقات الخلاقة للجماهير بحيث تُسرع عملية التطور اﻷجتماعي . وهذا يتطلب رؤى ومعرفة بكيفية تعبأءة الجماهير حول شعارات تتعلق بمصالحها الذاتية , وليس جرها وراء شعارات سياسية بحتة كإرحل وحسب . يكون العامل الخارجي دور فعال فيها , كما جرى في بعض دول الربيع العربي . مما فسح المجال ﻷحزاب لا يعنيها أﻷصلاح اﻷجتماعي بقدر ما يعنيها إستلام السلطة وتطبيق أجندتها , مستغلة بحذق خبرتها السياسية والتنظيمية , وتجاربها في دغدغة عواطف ومشاعر اﻷنسان الدينية , مشوهةً كيديا منطلقات أصحاب الحراك الحقيقيين باﻷعتماد على موروثات اﻷنظمة السابقة وباﻷستفادة من دعم العامل الخارجي لتعزيز تواجدها في التحرك وبالتالي في السلطة الجديدة كما حصل في بعض الدول .
تستطيع هذه القوى أن تجني ثمار تحرك الشباب وتجيره لصالح أهدافها بغفلة من عامة الناس وخاصة في المجتمعات التي تُضَيق بها سبل انتشار الثقافة والتعليم , بما تملكه من امكانيات مادية وحذاقة في استعمال اﻷساليب التي ينأى عنها اﻷنسان الذي يربط التغيير الذي ينشده بالتحولات اﻷجتماعية , إن أغلب هذه القوى ظهرت فجأة في الشارع اثناء التغيير ربما كانت نائمة اثناء الحكم الشمولي أو تغازله, ليسكت عن نشر مفاهيمها بين المعدمين إقتصاديا , مؤكدين أن اﻷصلاح اﻷجتماعي يأتي عبرهم و بتطبيق أجندتهم وتعاليمهم في الحكم وبالتشبث بأفكارهم الغيبية , واطاعة ولي اﻷمر . من خلال ذلك فقط تتطور الحياة اﻷجتماعية و الفكرية للأنسان . هذا لا يخدر الجماهير فحسب وبصورة خاصة غير المتعلمة منها وإنما يُدخل عادة الترقب السلبي للتوجهات القيادية لديها . من هنا تظهر بوادر نسف مفاهيم القيادة الجماعية وإﻷسلوب الديمقراطي الذي به فقط يُضمن مساهمة الشعب بكافة فئاته بعملية التغيير و ببناء الوطن
عندما ترجح الكفة لصالح التغيير يتم من خلاله بالحديث عن الدور الوطني لهذه القوى في برنامجها وتزعم من أنها ستعطي الناس الحرية التامة , وعندما يخلو لها الجو . تعطي حرية من نوع آخر , و تشكل أنظمة من فوق الخاص , ويزعمون أن نظامهم الجديد لم يعد يمثل طبقة أو فئة معينة , وإنها تسعى الى خدمة جميع الطبقات اﻷجتماعية , غير أن زعمهم لا أساس له من الصحة مطلقا كما دلت اﻷمور في العديد من دول التغيير , إذ لا يمكن ستر الطابع الرجعي لسياستها الداخلية في انتهاك الحرية الشخصية للنساء ( المراءة نصف المجتمع ومربية لنصفه الثاني )وتحرمها من فرص العمل , وتبعدها عن المساهمة في صنع القرار , منطلقين بعدم أهليتها , وتحتاج لقيم عليها . بينما تواصل ثرثرتها عن الحرية والديمقراطية , مستشهدتا بدساتيرها التمدينية . وإذا ما تفحصنا هذه الدساتير فسنجد بسهولة مواد عدة عن مختلف الحريات والحقوق لجميع الناس إلا الحقوق اﻷجتماعية , فيوجد فيها حق أﻷنتخاب , وحرية الكلام والصحافة , أما في الواقع هذه الحريات هي حريات شكلية وتظل على الورق لغالبية الناس . إنها تبقى تلك الحريات في متناول اللذين يطبلون للنظام , ﻷنها تركز في ايديهم جميع وسائل السيطرة اﻷمنية واﻷقتصادية والسياسية , وتبقي اﻷنتخابات بعيدة عن الديمقراطية , فجميع وسائل الضغط والتهويل والرشوة , وحتى التهديد واﻷرهاب واﻷحابيل المختلفة والتزوير تُستخدم فيها لضمان اﻷغلبية في البرلمان , وهي قائمة (اﻷنتخابات) إسميا على المساواة و في الواقع بعيدة عنها ,لكون قانون اﻷنتخابات تطغي عليه صيغ من شأنها , أن تضع سيطرة اﻷغنياء عليه , وللحيلولة دون ما تَقدم .
على القوى المحركة للحراك أن تضع خارطة طريق لما بعد التغيير تبصم عليها كل اﻷطراف المساهمة فعليا في الحراك , تكون ملزمة التطبيق للجميع . يؤكد فيها على ضرورة اجتياز مرحلة ما بعد التغيير بحكومة مؤقته تُشَكل من كل اﻷطراف الداخلة في معترك التحرر من مخلفات النظام السابق , يراعا فيها التكنوقراط والحيادية , وعندما يبداء الشعب باخذ انفاسه ويتعرف على القوى المحركة للحراك وبرامجها يُبداء ببناء مقومات الدولة القائم على اساس المواطنة والملتزم بنهج فكري يؤمن بالديمقراطية الحقيقية والعدالة اﻷجتماعية , والحرية آخذا بعين اﻷعتبار أن معركة التغيير هي معركة فكرية , إقتصادية , سياسية بين نهجين فكريين متناقضين من حيث بعدهما اﻷنساني واﻷجتماعي , بهذا تُجَنب الحكومة و الدولة دخول دهاليز التطرف الديني و تُوضع تحت راية واحدة , وهي راية إنقاذ الوطن راية الاصلاح السياسي واﻷجتماعي , وليس تحت راية أهداف متعددة الجوانب والمنطلقات تَضيع في طياتها المبررات اﻷصلية للتحرك الجماهيري . .