| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                                   الأحد 17/7/ 2011



وهكذا تم الغدر بثورة الفقراء

د. علي الخالدي  

ان تقييم اي حدث يجب ان ينطلق من الظروف الذاتية والموضوعية التي كانت سائدة في زمان ومكان ذلك الحدث وبعكسة يصبح الحدث مشوهاً وبعيداً عن الحقيقة .
على مدى عقود كانت الاحزاب الوطنية تخوض نضالا متواصلا ضد الاحتلال الاجنبي والاجراءات القمعية للسلطات الملكية , ومن اجل السيادة الوطنية واﻻقتصادية واشاعة اجواء الديمقراطية , برز هذا النضال بشكل ساطع في انتفاضات شعبية , منها ما يفرض نفسه على ذاكرة الشعب العراقي ,وثبة كانون عام 1948. التي سقط فيها قتلى , هم قيس اﻵلوسي وجعفر الجواهري وفتاة الجسر واخرون في معركة الجسر التي دارت بين قوات السلطة والمتظاهرين , وكذلك انتفاضة تشرين عام 1952 وفي كلا هذين الحدثين امتلأت السجون العراقية بالوطنين . كما نَفذ الحكم الملكي الاعدام بقادة الحزب الشيوعي ومؤسسيه . و يشير المراقبون الى ان الحزب الشيوعي العراقي كان ولا يزال وراء كل تحرك جماهيري يهدف نصرة المحرومين والفقراء ولم لا وهو الذي جاء من أجل نصرتهم والدفاع عن حقوقهم

واصلت القوى الوطنية لملمة شملها وبذلت جهودا مضنية تمخضت عن تشكيل جبهة اﻻتحاد الوطني ,عام 1957 التي ضمت الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي اﻻشتراكي (تأسس في العراق عام 1952) بالاضافة للحزب الشيوعي الذي شكل مع الحزب الديمقراطي الكردستاني تحالف ثنائي لرفض الاحزاب القومية و بعض القوى السياسية انضمام الاخير للجبهة . وكانت اهداف الجبهة تنحصر في تحقيق الاستقلال الوطني سياسيا واقتصاديا ,وبالخروج من حلف بغداد , واشاعة الحريات الديمقراطية والتضامن العربي ضد الاستعمار والصهيونية وسن قوانين لصالح فقراء الشعب من العمال والفلاحين . وفي وقت موازي وربما قبل ذلك تشكلت في الجيش مجموعة الضباط الاحرار ولم تخلوا من المساهمة الفعالة للشيوعيين. استطاع هؤلاء الضباط ان يفجروا الثورة في صبيحة 14 تموز من عام 1958 .

هرعت جماهير الشعب واحزابها الوطنية لاحتضان الثورة , وبذلك شهدت مدن العراق كافة مظاهرات التأييد والدعم , وكما يشاع ان مظاهرة بغداد كانت تقدر بمئة الف متظاهر بالرغم من ان سكان العراق لا يتعدى بضعة ملايين . ان هذه التحركات عزاها بعض الكتاب الى شدة الصراع الطبقي الذي كان سائدا في العهد الملكي , والذي ترك بصماته على حركة الضباط اﻻحرار. حيث وضعت نصب أعينها نصرة الفقراء , الذين التفوا حولهم وسهروا على حماية ثورتهم , ومع هذا شُكلت الحكومة العراقية مستبعدة منها الحزب الشيوعي والحزب الدبمقراطي الكردستاني بينما ضمت عناصر وضعت في مشاريعها الوحدة الوحدة العربية الفورية سالكة شتى الوسائل التي كانت تأخذ من عضد الثورة واتاحت الفرصة لتغذبة النعرات الوصولية والرجعية . هذه القوى والفئات التي شغلت مواقع عليا في حركة الضباط الاحرار والحكومة , سلكت طريق بعيد عن اهداف الثورة , فصعدت من استهتارها بالديمقراطية وانتهكتها , واستخفت باﻷحزاب الوطنية والتقدمية وبمطاليب الجماهير الشعبية , ونظرت الى الفقراء نظرة احتقار واستصغار بالضد من قادة الثورة اللذين كانوا يؤكدوا ان ، الثورة جاءت لنصرة الفقراء . هذه المواقف وغيرها من التصرفات الرعناء جعلت القوى الوطنية والتقدمية تتخوف من استمرار تجاهل تعميق اهداف الثورة وطبيعة الحكم الذي كان يتسم بديمقراطية في المظهر ودكتاتورية في الجوهر الا ان الوضع الجديد لم يتفهم ويستوعب هذا التخوف والحرص الذي عبرت عنه الجماهير الشعبية عبر مدها الثوري الجماهيري الذي خُلق من قبلها في الشارع والذي ابدى عن تعاطف كلي مع الحزب الشيوعي العراقي اعترافا منها , من ان الحزب هو من يحمل راية الدفاع عن حقوق الفقراء والمظلومين , وقدم الشهداء في سبيل ذلك
في ابريل من عام 1959 نظم الاتحاد العام للعمال ابتهاجا بعيد العمال العالمي مسيرة شارك فيها كما يقول شهود عيان حوالي مليون مواطن من كافة فئات الشعب , على اثرها كتب آلن دوس رئيس اﻻستخبارات اﻻمريكية واصفا الوضع في العراق بانه يشكل اكبر خطورة على المصالح الامريكية في المنطقة . .
تجاه هذا المد الثوري قامت القوى المعادية للثورة باعمال كيدية أخافت بها قيادة الثورة مما حدى بها أن تعيد في الشهر الخامس من عام 1959 تطبيق فقرتين من قانون العقوبات في العهد الملكي بحبس كل من ينشر اﻻفكار الشيوعية من 7-الى الحكم اﻻبدي .واستغلت القوى المضادة من رجعيين وعملاء كانوا معشعشين في اجهزة الدولة رغم التطهير الذي اجرته قيادة الثورة . فقامت بحملة اعتقال في تموز , وآب لاعضاء الحزب الشيوعي ,عذبوا في السجون ثم سن قانون حرية احزاب , ينسجم ومآربها لا يتيح فرصة نشاط أحزاب وطنية تقدمية وجرى منع وصول جريدة اتحاد الشعب الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي الى الكثير من المحافضات العراقية .ومن ثم اغلقت. وشنت حملات ملاحقة واعتقال لاعضاء المنظمات الديمقراطية الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني التي تشكلت مباشرة بعيد الثورة . فمثلا اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي انخفضت عضويته من 84000 الى 20000.وهذا انسحب على رابطة المرأة واتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية وطرد ما يقارب 6000 عامل من عملهم عام 1960 .كل هذا جرى بتحريض من القوى الرجعية واﻻمبريالية لخمد المعطيات الايجابية التي جاءت بها الثورة . واستطاعت بذلك ان تعزل قيادة الثورة عن الشعب بحجب التأييد لها مستفيدة ايضا من اتباع سياسة خاطئة من قبل قائد الثورة عبد الكريم قاسم المبنية على مبداء فوق الميول والاتجاهات بين الثورة والمدافعين عنها من جانب , واعدائها المرتبطين بدوائر خارجية من جانب آخر . واستغل المتربصين , والمتحينين الفرص للانقضاض على الثورة بخلق مبررات توسع الهوة التي خلقتها الاجراءات الانفة , ولعب محابات قائد الثورة وسياسة عفى الله عما سلف ﻷعداءه . فأرخي الحبل لهم مما دعا شاعر العرب اﻻكبر الجواهري ان يخاطب الزعيم عبد الكريم قاسم ب فشدد الحبل واوثق من خناقهم فان في ارخاءه ضرر . تصور اﻻمر معكوسا وخذ مثلا عما يجرونه لو انهم نصروا.

وجاءت نبوءة الجواهري في الثامن من شباط عام 1963 حيث اطاح اﻻنقلاب الفاشي الذي خططت له الدوائر اﻻمبريالية بدعم القوى الرجعية العربية والمحلية بالثورة التي لو استمرت في مسيرتها التقدمية التحررية لكانت حقا نبراس ومصدرا لتصدير الديمقراطية لشعوب المنطقة لانها جبلت بأيدي عراقية بعيدة عن اي عامل خارجي .
وما اشبه اليوم بالبارحة حيث المتربصين بالعملية السياسية يخططون مستفدين من ادواتهم التي زرعوها في كافة اجهزة الدولة نتيجة تعشعش الفاسدين والمرتشين الذين يدركون انه لو استمرت العملية السياسية بتعميق نهجها الوطني التقدمي وطبق الدستور على عيوبه بشكله الصحيح فان مصالحهم الضيقة ستضيع وستكشف حقيقة ارتباطاتهم بالعامل الخارجي ونواياهم التي غلبوا بها مصالح طائفتهم واحزابهم على المصلحة الوطنية . فالحريصون على المصالح الوطنية مدعوون الى عدم مطالبة الشعب بالسكوت على الظلم والاضطهاد والاستجابة لمطاليبه , بتوفير ما كانوا يطمحوا اليه من وراء التغيير حتى لا يكون البديل اسواء مما عليه الان .

فالجماهير الفقيرة تحركها ظروف موضوعية وذاتية غايتها الاصلاح وتلبية مطاليبها العادلة وهي لا تملك مستلزمات الدفاع حتى عن نفسها ناهيك عن امكانية صيانة مكتسبها من الديمقراطية الهشة التي اكد الدستور عليها , والتي يراد الالتفاف عليها وافراغها من محتواها حاليا . لقد جاء التغيير مبعدا اصحاب المصلحة الوطنية الحقيقية عن مواقع اصدار القرار السياسي الذي تتحكم به المصالح الطائفية والاتنية. المنطلقة من سياسة المحاصصة الطائفية والتي اتاحت فرصة ومحاولة تسيد و عدم الاعتراف بالحق ضمن مواد الدستور من قبل البعض , من هم في قمة السلطة , مما دفع المواطنين الى التحرك في ساحة التحرير معيدة نهج الاسلاف بخوض النضال المطلبي مطالبتا بوضع حد تجاه توسع مساحة تحرك اعداء العملية السياسية مستغلين الثغرات وادواتهم من وصوليين ومرتشين وفاسدبن وُجُدوا بمختلف اجهزة الدولة نتيجة سياسة المحاصصة تلك مطالبين ليس الاستجابة لاستحقاقهم الوطني ومطاليبهم الشعبية العادلة في تقدبم الخدمات التي وعدوا بها اثناء حملات الكتل الانتخابية فحسب وانما تخوفهم من اجهاض العملية السياسية , فلم يرو بد من رفع سقف مطاليبهم بالدعوة لاجراء انتخابات مبكرة كحل عملي يجنبها خسران تحقيق آمالها التي حلمت بها بعد التغيير , وخشية العودة بها الى المربع الاول.

المصادر
وثائق الحزب الشيوعي العراقي
history of iraq by IiarioSalucci Haymarket Books Chicago, IIIinois 2006
 

 

free web counter