أمين يونس
تَجاهُل الأهل والإهتمام بالضيوف
امين يونس
في الصغر ، قبلَ أكثر من خمسين سنة ، عندما كنتُ أعود من المدرسة ،الى البيت ... فأجد الجميع منهمكون بالتنظيف والترتيب .. أعرفُ ان ضيوفاً قادمون عندنا اليوم !. وتبعاً لذلك أتوقع ان يكون الطعام مُمَيَزاً وربما تعقبهُ الحلويات أيضاً .
هذهِ العادة السيئة ، ما زالتْ مُتحّكِمة ، ليس في عوائلنا فقط .. بل ان نظامنا وحكومتنا العتيدة ، يمارسون نفس العملية بشكلٍ أو بآخر .. فلولا بطولة الخليج لكرة القدم ، التي من المُزمَع إقامتها في البصرة في 2013 ، لِما فّكَر جهابذة المُخَططين في الدولة ، بإنشاء مدينةٍ رياضية ولا حتى ملعبٍ " مثل الأوادم " في البصرة الفيحاء ! . ولولا موافقة الأخوة الاعداء العرب ، على عقد مؤتمر القمة العربية القادم في بغداد ... لِما إستعجلتْ الجهات المَعنِية وغير المَعنِية ، في تنظيف الشوارع الرئيسية وإكساءها ، وتشجير الأرصفة وصبغ البنايات وتلميع الواجهات ... الخ .
على كُل حال ... هذه العقليات المُتخلِفة التي تُدير الأمور في بغداد ، لا تُفَكِر طبعاً ، بالإهتمام بالأزقة البعيدة والمحلات الشعبية والأحياء الفقيرة ... التي لن تَمُرَ بها مواكب القادة الزائرين .. وطفَحْ المجاري والمياه الآسنة ، في العشوائيات المتناثرة في بغداد والمدن العراقية الأخرى .. ينبغي أن لا يراها الضيوف مُطلقاً ولا يَشموا روائحها الكريهة ... وفي الأماسي والليالي ، يجب حصر الوفود في الفنادق الراقية والقصور الفخمة ، فقط ... لكي لا يكتشفوا ان هنالك شوارع كثيرة في بغداد العاصمة ، مُظلِمة ، وان معظم المحلات السكنية ، بعد منتصف الليل ، أي بعد إنتهاء عمل المولدات الأهلية ، تبقى في ظلامٍ دامس ، لعدم توفر الكهرباء الوطنية . " أتساءلُ هل هنالك شعبٌ أكثر صبراً وأطول تحّمُلاٌ من الشعب العراقي ؟ " . ان مُظاهرات يوم أمس الجمعة ، المُطالِبة بالخدمات والمناوئة للفساد والفاسدين ، ما هي إلا بداية متواضعة ، لِما يجب ان تقوم بهِ الجماهير من ضغط مُستمر على الحكومة .
سنوات عديدة مّرَتْ على التغيير .. وما زلنا نُراوح في أماكننا بل ونتراجع ايضاً .. جميعنا ، حكومتنا الاتحادية والحكومات المحلية ، اجهزتنا البيروقراطية المتخلفة ، وقطاعنا الخاص الكسول ، ضّيِق الاُفق ... نُثرثر عن البطالة والبطالة المُقّنعة ، ونستعين بشركات أجنبية وعمال أجانب ، من أجل نقل قمامتنا من امام بيوتنا ، الى المكبات " كما يحدث في البصرة والكثير من المدن الاخرى " ... نتحدث عن عدم تَوّفر فرص العمل ، ونجلب شركاتٍ اجنبية لتزرع لنا أشجاراً على الأرصفة وفي الحدائق ، مثلما هو حاصل في دهوك ومعظم المدن ، بل ان بغداد التي نتشدقُ بحضارتها على مَر العصور وانها التي عَلَمَتْ العالم أجمع الزراعة والكتابة والقانون ووو ..الخ ، بغداد هذه تستعين اليوم ب " شركات إماراتية " من اجل زرع 300 ألف شجرة في بغداد ، قبل القمة العربية العتيدة ؟!. طبعاً من نافلة القول .. انه ماعدا رأسمال الشركات وربما جزء من الإدارة أيضاً ، هي إماراتية بالفعل .. فأن كل العاملين الآخرين من جنسيات مختلفة وخصوصاُ آسيوية ... وهنيئاً لهذهِ الشركات الاماراتية وعقلياتها الاقتصادية الناجحة ...
أقول فقط : هل يعجز القطاع الخاص العراقي ، في الداخل ، وكذلك الذي يستثمر في العديد من الدول المُجاورة .. هل يعجز ، ان يُهيء نفسه منذ الآن ، من أجل الإشتراك الفعلي في إعمار بلدنا المُخّرَب ، وتشغيل العاطلين الكُثُر عندنا ؟ كُل المجالات مُتاحة للإستثمار المُجدي والمُربِح .. السياحة ، الزراعة ، الصناعة ، الإسكان ، الطاقة ... الخ .
وهل ترتقي حكومتنا ، بحيث تتجاوز عقلية [ قدوم الضيوف ] المُرتَقَب ، لكي تقوم ، بالترميم والتنظيف والتلميع ؟ .. لقد مللنا حقاً ، نُريد ان يكون بيتنا نظيفاً دوماً .. مُرّتَباً سواء جاء ضيوفٌ أم لم يجيئوا .. نطمح ان يكون يكون منزلنا العراق ، مُضاءاً .. وطعامنا جيداً ، حتى لو كُنا وحدنا !.
26/2/2011