عبد الصاحب الناصر
الجمعة 29/1/ 2010
عمو حسقيل و ندائه ،،، للحدغه يولادعبد الصاحب الناصر *
تذكرت هذا الرجل الطيب ( عمو حسقيل ) و ندائه ( للحدغه يولاد. )، عند قراءة تحفظ الدكتور علاوي على نزاهة الانتخابات و توقعه المسبق بتزويرها . فيهدد الرجل بالانسحاب منها .
كنا نمشى اولاد و بنات صغار كل صباح يوم الخميس والجمعة و السبت من عطلة الصيف ( الساعة الخامسة صباحا ) في الخمسينيات و يحمل كل منا كرب سباحة او چوبه ، من منطقة بستان كبه ، شارع ابي نواس ( قبل توسيعه ) ، سيرا على الاقدام الى الباب الشرقي ، قرب مدرسة الراهبات و نبدأ بالسباحة من هناك ( انحدارا مع مسيرة دجلة الخالدة ) الى بستان كبه ، قرب فندق بغداد . و كان مرشدنا هو السيد عمو حسقيل يعلمنا السباحة ، وكنا اثنان ، صديق شيطان مثلي وانا ، قد تعلمنا السباحة مسبقا ، وان ما كان يغرينا هو السباحة مع ( المختلط ). والتصرف و كأننا من الاولاد الشجعان . . كان عمو حسقيل من الناس العراقيين الطيبين الذين رفضوا الهجرة الى اسرائيل فبقي في العراق الى ان توفى . كان عمو حسقيل ينصب جرداغ هناك على شاطىء دجلة كل صيف ، ويتخذ من هذا الجرداغ مقراً صيفياً و سكناً له ، مقراً يعلم الاطفال السباحة وصيد السمك و سكناً له كعادة كثير من البغداديين في موسم الصيف و كانت هناك في بستان كبه مضخة لضخ الماء الخابط من نهر دجلة الى البيوت المجاوره لسقي حدائقها و يديرها شخص يدعى سلمان صلخة فعمل منها مقهى ( جاي خانة ) ، بناء من الطابوق والطين ، يرتزق منها في الشتاء و كان عمو حسقيل من يساعده في هذه المقهى و يتخذ منها مقراً شتوياً له .
تقارب الخواطر: كان لنا صديق اخر يتمنى ان يكون مشاكساً ثالثاً معنا ، الا انه تعوزه الشقاوة البريئة السريعة و لا يحسن كثيراً مما كنا نفتعله من مقالب على عمو حسقيل و على غيرنا من الاولاد ، فكان بيننا، نحن الثلاثة كثير من الجدال و كثير من الخصام و الزعل . اكثر ما اتذكره عن ثالثنا انه كان دائماً يهددنا بالانسحاب من جوقتنا الشيطانية او من المساهمة بالمقلب الذي كنا نحيكه لهذا الولد او تلك البنت او لعمو حسقيل ان لم نأخذ بما يريد او بما يخططه هو ، فيزعل و يهددنا بأنه سوف لن يشاركنا السباحة مرة اخرى ،الا اننا تعلمنا ان نراه في اليوم التالي وهو اول الواقفين في الانتظار لوصول الباقين صباحا يوم (الحدغة - الحدرة - ) فتعوّدنا على تلك التهديدات لمعرفتنا بأنه يهدد اكثر من ان ينفذ ما يعد . و لانه لا يتمكن من الصمود على موقفه . و بمرور الزمن كنا نداهره ونشاكسه بعض المرات بخدعة معاكسة اي اننا ندّعي ما يريد هو نفسه و بما يطالب به هو عادة لمجرد مخالفته . لا تمضي الا لحظات ، الا ويثور علينا ثالثنا بأنه لا يرغب بما نقترح و انه يرى اشياءً احسن مما نرى و ما نريد ، فنتعمّد الخضوع له و القبول و الاعتراف بأخطائنا فنقترح عليه شيئاً اخر لارضائه ، فتعتليه نشوة عارمة من الفرح كنا ندعه معها لمدة طويلة و نتظاهر بالخسارة و الحسافة و الحزن ،،الخ.
و نراه في اليوم التالي اخر من يصل ( للحدغة ) و يحمل كربه معه لا يلبسها كما كان يعمل عادة ويلبسها في البيت اولا، و هو معبس الوجه صامتاً لا ينظر الينا و يتعمد تجاهلنا ويتودد بالصداقة مع كل الاخرين ، الا معنا .
لكن ثالثنا له قلب طيب و لا يتحمل الزعل الطويل ، فيبطىء في خطواته كي نقرب نحن في مؤخرة الطابور كعادة المشاكسين او يقرب هو منا ، فيتظاهر احدنا ( بالتناوب في ما بيننا واحد كل مرة ) فيقترب احدنا منه و يعترف بالخطأ فيوافقه و يتحبب له و يتظاهر الاخر بالعكس و يدّعي الانفعال و انه كان صاحب الفكرة الاولية الاصلية وان تقاربنا من الاخر انما هي مؤامرة حكناها في المساء ضده . فتأخذ صاحبنا النشوة من جديد حين يشعر بأنه اليوم ضمن الاكثرية وان احد اخر غيره ، من يخالف الجميع هذه المرة .
تعاهدنا، ثلاثتنا ، مرة ان نحوك مقلباً لعمو حسقيل ، فأتفقنا على خطة ، وطبعا لم تكن بالصدفة ان هذه الخطة هي من صياغة صاحبنا و انه هو من سيقودنا لتنفيذها . فأفتخر وعلاً من خشمه و اقسم بالله انه سيترك تلك الخطة ولا ينفذها ان لم نلتزم ، نحن ، بالتفاصيل وحسب ادارته و ارشاداته . ( لاحظ التهديد بالانسحاب دائما ) .
نحن ، صديقي و انا قلبنا المقلب لصالح حسقيل ، فجلبنا الماء الصافي من بيوتنا لجرداغ حسقيل و ملأنا الحب الصغير داخل الجرداغ ،الا اننا قلنا لحسقيل ( امام صاحبنا ) اننا لم نتمكن من جلب الماء لاعتراض اهلنا على ذلك ، بينما كان المقلب المتفق عليه ان نملأ حب حسقيل بماء دجلة الخابط . فأنبرى صاحبنا مفتخراً بأنه هو من جلب الماء لوحده و تحمّل عناء نقله وتتطربشت ملابسه ، ظناُ منه ان احداً اخر غيرنا قد جلب الماء لحسقيل واننا ، نحن من تعمّدنا عدم ملئ الحب بالماء ،، الخ . الا ان عمو حسقيل كان اشطر منا جميعاً و هو من تعوّد على تلك المشاكسات من الاولاد ، فقال لثالثنا ، اذهب واشرب من الماء و اجلب لي طاسة اخرى لي. فخرج صاحبنا من الجرداغ يقسم بأغلظ الايمان و يقسم بأنه سوف لن يصادقنا الى مدى الحياة ، السبب اننا ملأنا الحب بالماء ووضعنا كفان من الملح فيه ، فشرب صاحبنا المقلب و شرب الماء المالح الذي ادّعى انه هو من جلبه وملأ حب عمو حسقيل .
ربّاط الكلام : ان الدكتور اياد علاوي من اوائل من عمل مع المعارضة و عمل ضد صدام . و بذل كل جهده لتنظيم دخول الامريكان و تخليص العراق من الطاغية ، بغض النظر عن ان كان هذا هو عمل صيحح ام خطأ ، الا ان الرجل كان من قيادة المعارضة في الدول الغربية . وفي الانتخابات الاولى حصلت قائمته على اربعين مقعداً في البرلمان ، و كوّن القائمة العراقية التي حصلت على خمساً و عشرين مقعداً في المجلس الاخير ، وهو من اتخذ عنوان العلمانية و تجميع القوى غير الاسلامية الخ. الا انه اتخذ الموقف المعاكس دائما (لا اقول المشاكس حاليا) طوال تلك السنوات الاربع ، لا يتفق مع اي انسان او جماعة او ائتلاف الى درجة ان تنصل و انسحب من قائمته كثيرون . و منذ سته اشهر وهو يتنقل بين القوائم استعدادا ليكوّن ائتلافاً جديداً يسيّره على هواه ، ورغم كل المحاولات و المباحثات ، انتهى الرجل بالاتفاق مع الهاشمي و المطلك و العاني و غيرهم . اتفق مع من لم يكونوا معروفين او من جماعة المعارضة الاصليين ايام التكوين و كثير منهم تعرفنا عليهم بعد سنة 2003 . ربما صحيح من يقول انه غير مهم مع من يتفق الانسان ، و صحيح ايضا القول ان المهم هو على ماذا سيتفق ، لكننا لا نعرف على ماذا اتفق السيد علاوي مع المطلك والهاشمي و العاني ، وما هي اهمية الذي اتفق عليه الى درجة ان يخاطر الرجل بالانسحاب من الانتخابات ان لم يعد المطلك للساحة النيابية من جديد ؟ هذا سؤال محير جدا حين يضحي شخص له هذا الباع في السياسة ، يضحي بكل مستقبله السياسي من اجل اشخاص لم يكن يوماً من الايام على وئام معهم او كان قد عمل معهم في السابق . كيف كان يتصور ان بمقدوره ان يحاور المجلس الاسلامي ، القائمة الوطنية العراقية و يحاور في نفس الوقت المطلك و العاني و الهاشمي ؟
ماذا سيتوقع من انسحابه هذا ، ان لم تنفذ ارادته ؟ هل ستنحني له امريكا و تخاطر بوضعها في العراق من اجل المطلك او العاني ؟ هل ستتدخل الامم المتحدة في شؤون العراق الداخلية من اجله او من اجل العاني ؟ هل ستتمكن الدول العربية من اقناع سياسيي العراق / الصاعدون / بأن يقبلوا المطلك و يتناسوا اهمية الحفاظ على الدستور العراقي ؟ هل يتصور ان يضحي الاستاذ مسعود و السياسيون الكرد بعلاقاتهم مع المجلس من اجل المطلك والعاني وهو الذي يشتمهم وينعتهم بمطايا الاستعمار ، لماذا كل هذه المخاطرة يا دكتور اياد ؟ لماذا خذلت العلمانيين كما تدّعي من اجل اشخاص لا يؤمنون اساسا بالديمقراطية و لا بالتغيير الديمقراطي في العراق . الم تنتقد انت ما قاله العاني قبل بضعة ايام ؟
لا يمكن للانسان ان يسطر كل تلك الاسئلة و لا يتمكن من اكتشاف ولو سبب واحد من هذا التصرف . ربما السبب ان السيد علاوي لا يستشير احداً و ليس له مستشارون سياسيون يُبطئون من خطاه المتسرعة قبل فوات الاوان . انها خسارة للدكتور علاوي و ربما للشعب العراقي ان يكون الدكتور على هذه المشاكسة .
توضيح
- الحدرة : بلهجة يهوديي بغداد و بعض من اهل الموصل تلفظ / الحدغة ، حيث يحوّل الراء الى غاء
- الجرداغ : هي بيوت من الحصران تنشىء على ضفاف دجلة في مواسم الصيف في منطقة ابي نؤاس و على شواطئ منطقة الاعظمية .
- الكرب : وهو الجزء الكبير من نهاية سعف النخيل تثقب و تربط كل اثنان بالحبال لتشد على ظهر الاولاد فتطفو بهم على سطح الماء
- الجوب : وهو ما في داخل التايرات ، الجزء الذي ينفخ و يساعد كذلك على الطوفان في الماء
- الحب : مصنوع من الفخار لخزن و تبريد الماء ، عاد الى الاستعمال بعد انقطاع الكهرباء عن العراق منذ سنة 1991 .
* مهندس معماري / لندن