عبد الصاحب الناصر
الأثنين 19/7/ 2010
العقدة العراقية و تقاطعاتها مع روح و جوهر الديمقراطية
عبد الصاحب الناصر *
وصلت الحالة العراقية الى مفترق طريق خطير بمعايير الديمقراطية و مسيرة الانتخابات الحرة .
يطالب كثير من القادة السياسيين بالابتعاد عن المصالح الشخصية و تفضيل المصلحة العامة على الخاصة . هذا مطلب حمال اوجه . و يستعمل في كثير من الحالات كقميص عثمان . لان فيه من التناقض بالمفهوم الحديث للديمقراطية التي نتوخاها كلنا . كيف يمكن الفرز او الفصل بين المصلحة الشخصية و المصلحة العامة اي مصلحة الشعب ؟ ، ولان مصلحة الشعب تكاد تطغى على كل الاعتبارات ، لكون ان الشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية العليا و لا يمكن تفضيل اي اعتبار اخر الا حين يصب في مصلحة هذا الشعب . ما هي مصلحة الشعب اذاً ؟
لقد ذهب الشعب العراقي في يوم الانتخابات و قال كلمته و اختار ممثلين له . و كانت النتيجة كما هي معروفة للجميع . جاءت النتيجة بفوز اربعة قوائم لا تتمكن اي منها ان تشكل الحكومة لعدم حصولها على النصف زائد واحد من عدد النواب في مجلس البرلمان العراقي و قاد كل قائمة شخصية سياسية عراقية لها شعبيتها . هنا اخل الشعب و بدون ان يعرف بمصلحتة الحقيقة عندما وزع اصواته على هذا الشكل ، فهو اذا قد اخطىء في الاختيار من منطق اختيار الاضداد . و على الشعب ان يتعرف على هذا الخطأ بكل شجاعة ليستفاد منه في الانتخابات القادمة و هذا الخطأ هو حسنة في تقديري لانه جاء عن ممارسات ديمقراطية و عن رغبة حقيقية في الاختيار . و انما تبنى الحياة من خبرات و اخطاء الماضي . يقول صاموئيل بيكت
( Ever tried , ever failed , no matter, try again,fail again, fail better)
وصلت المعضلة الى من له الحق بالاصرار على موقفه . اي الاصرار على احقيته بتكوين او رئاسة الحكومة القادمة . يحاول كثير من السياسيين و لاغراض خاصة بهم افهام الناس باخطاء غرمائهم عن جراء اصرارهم على مواقفهم ، متناسين هنا اهم عنصر من عناصر بناء الحياة الديمقراطية و هي احترام ارادة الاكثرية ، صحيح انه لا توجد كما قلنا اكثرية ساحقة تتمكن من تشكيل الحكومة لوحدها ، ولندع جانبا كل المصطلحات التي استنبطت لتعوض عن مصطلح المحاصصة البغيض باستعمال مصطلح الشراكة او حكومة المشاركة ( الحقيقة ) انه مصطلح سياسي ذو اهداف سياسية مرحلية فقط ، صحيح انه سيوزع بعدالة مشاركة الكل في السلطة التنفيذية ، لكن هذه المشاركة ان كانت تتوخى المصلحة الحقيقة للشعب العراقي يجب ان نرى اذاً تفضيل مصلحة الشعب ومن قبل كل السياسيين و ليس من طرف واحد ، وهذا مع كل الاسف غير متواجد في تفكير كثير من السياسيين العراقيين .
لو تتبعنا جوهر الانتخابات الديمقراطية في مثل هذه الحالة لتعرفنا بان من نطالبهم بالتنازل او بترك المصلحة الشخصية من اجل المصلحة العامة اي مصلحة الناخب و حسب نتيجة الانتخابات لوجدنا باننا نطالب هذا الشخص او ذاك بأن يتنازل عن حق ليس من حقه ان يتنازل عنه ، اي ان يتنازل عن حق من صوتوا له ، وهذا مخالف للعرف و لجوهر و لفكرة الانتخابات الحرة ، و كما قال احدهم ، لماذا اذاً ذهبنا لننتخب اذا كانت النتيجة ان نتفاهم و نتنازل و نساوم عن اصوات ربما اعطيت لنا لكنها ليست هي ملك لنا .
لقد حرمت شخصيات لا غبار على وطنيتها و من اصلب من قارع الاستبداد و الظلم و لعقود طويلة من الزمن ، حرمت من ان تحصل على مقعد في مجلس النواب الجديد لاخطاء في قانون الانتخابات ، لقد جاءت النتيجة هكذا ، وسلم هؤلاء الناس بأرادة الشعب و نتيجة الانتخابات بكل رحابة صدر ، كما جاءت الى مجلس النواب الجديد شخصيات ليس لها باع طويل في الحياة السياسية في العراق الا اللهم مؤخرا و وصلت للمجلس عن طريق الزحف لو سمح لي باستعمال هذا المصطلح ، اي وصلت عن طريق فوز القوائم التي ينتمون لها و ليس لكثرة من صوّت لهم ان وجدت . و اسلمنا كذلك بارادة الشعب وقلنا انها الانتخابات الحرة . وان لم تكن ( كوشر) كما يقول المثل اليهودي . اقارن هنا بتجاوز و سأتحمل المسؤلية لوحدي انا ، اقارن بين عدم انتخاب السيد حميد مجيد موسى و انتخاب السيد حيدر الملا . لا صغراً بالسيد الملا و لا تعظيماً بالسيد حميد مجيد موسى ، الا انني استعمل المثل للدلالة على محاولة تسقيط من حصل على عدد عظيم من اصوات الشعب اي من حصل على اكثر من ٦٢٥٠٠٠ صوت لوحده في بغداد فقط . لقد حصل السيد حميد مجيد موسى على اكثر اصوات من كثير ممن وصلوا عن طريق شمولهم مع قوائمهم الا انها لم تكن كافية لوصوله وذلك لخلل في تفكير و حسابات الهيئة المستقلة للانتخابات ، ليس الا . في وقت لم يحصل السيد الملا على اكثر من خمس ما حصل عليه السيد حميد . اين اذاً هي الديمقراطية و احترام اصوات الناس ؟ و لكن لنعود الى السؤال / المطلب / الذي يثقل كل العملية الانتخابية اليوم . اذا كان من حق السيد الملا ان يتمتع بمنصب نائب في مجلس النواب العراقي لاسباب انه حصل على بضع اصوات ، كيف اذاً نطالب السيد المالكي ان يتنحى عن منصبه كقائد لكتلة دولة القانون وهو من حصد اعلى عدد من الاصوات ، وهل سيكون بمقدور السيد المالكي هذا التنازل لو حصل دون ان يخذل كل الاصوات التي ذهبت لتصوت له ؟ وان قبل ، فانه سيخل بعهد قد قطعه للناخبين الذين صوتوا له .
هذا مع الاسف ما لا يتفهمه من لم يعش حياته في جو ديمقراطي و من لم يتعرف على المفهوم الاساسي للديمقراطية ، لذلك نراهم يأتون كل يوم بمقترح اخر لا يمت لحرية الاختيار بصلة ، انه الفهم الخاطىء للديمقراطية عندما يطالبون من انتخب باصوات كثيرة ان يتنازل عن حقه . لانهم لا يفهمون اهمية الاصوات الانتخابية ، ربما هم يتعاملون و يتخيلونها ضمن مسيرة التبعية العمياء التي تربوا و تطبعوا عليها كل حياتهم . لكن هذا التخيل يقع ضمن الانفراد بالسلطة . اليس كذلك ، انا اسيّرك فانا اذاً القائد و انت المقود المطيع . ربما هذا ما يفهمون . حسنا، لكنهم يستعملون في نفس الوقت موازيات لهذا الاسلوب فيتهمون غيرهم بالانفراد بالسلطة وهذا اعظم تناقض في الموقف و في الفهم و العقل و المعرفة ، ناهيك عن المفهوم الحقيقي لحرية الاختيار و بالاخص التي تأتي عن طريق الانتخابات . انهم يتصورون و بهذا يفصحون عن جوهر عدم معرفتهم بالحياة الديمقراطية ، يتصورون عندما يطالبون هذا الشخص بالتنازل عن موقفه على انها توافقية و سعة بصيرة و عقلانية و لا يعرفون ان مطلبهم هذا منافي لكل مفاهيم و قيم وحرية الاختيار و مخالف لاسس الديمقراطية و الانتخابات . و للتأكيد على تفسيري هذا ادرج مثال اخر ، انهم واقصد هنا المجلس الاسلامي الاعلى عندما لا يتمكنون من اختيار من يرشحون ليتنافس و على اسس ديمقراطية مع السيد المالكي ليختاروا بالتالي من سيكون مرشح التحالف لمنصب رئيس اتلوزراء ، انهم يطلبون من قائمة دولة القانون ان يرشحوا شخص بديل او ثاني مع المالكي ليتنافس مع من لا يتمكن المجلس من حزم امره بين المنافسين من آئتلافهم . هذا اعظم تناقض نتعرف عليه خلال حياتنا و ممارساتنا للحرية في البلدان الديمقراطية . هذه حالات لا يمكن الاخذ بها و لو فعلنا لاسأنا لكل ما كنا نسعى له بالحياة الكريمة الحرة التي تبنى على اسس الديمقراطية ، ليس هذا حبا بالمالكي ، بل احتراما لمن صوّت له و هم كثر . اعرف ان الناس قد تكلمت و كتبت كثيرا عن هذا الموضوع . لكن ما يخيفني لو حصل هو التلاعب باصوات الناس بهذه الصلافة السياسية .
في النهاية ، سوف نتذكر ليس كلام اعدائنا ، ولكن صمت اصدقائنا ، مارتن لوثر كنج الابن .
* مهندس معماري / لندن