عزيز العراقي
zizi.iraqi@yahoo.com
الحكومة التركية والبحث عن الثقةعزيز العراقي
عندما طلب رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوكَان من خلال زيارته لبغداد مقابلة آية الله العظمى السيد علي السيستاني لم يكن بالتأكيد شيعي ويقلد سماحته , بل رجل دولة تهمه مصلحة بلاده بالدرجة الأولى , والعمل على إيجاد الركائز الحقيقية لمشروع بناء النفوذ التركي في المنطقة , وهو المشروع الذي يضمن لهم الموقع المؤثر باتخاذ القرارات المهمة في توجيه السياسات الدولية للمنطقة التي لها الأهمية الأولى بإنتاج الطاقة . والسيد اردوكَان وجد في التوجه الى مرجعيات عراقية واقعية وليست رسمية , مثل السيد السيستاني , أفضل من التوجه لرجال الحكومة والقيادات السياسية العراقية .
شحة المياه وانخفاض منسوب النهرين دجلة والفرات , تحولت الى مشكلة حقيقية لدى العراقيين بفضل السياسة الاحتكارية للدولة التركية على مدى أكثر من عقدين . ومثلما يعرف الجميع , ان هذا التحكم التركي لم يقابل من قبل نظام صدام بالمطالبة بالحصة القانونية للعراق في مياه النهرين , بالعكس , نظام صدام هو الذي طلب تقليل منسوب المياه ليتسنى له تنشيف الاهوار , ومطاردة الخارجين على نظامه , وحكومات العهد الجديد الذي أعقب نظام صدام انشغلت بالكامل في الاستحواذ على السلطة , ولم تلتفت لمعالجة المشاكل والصعوبات العالقة والتي تهم جميع العراقيين , ومن بينها مشكلة شحة المياه , ولم تطالب الحكومة التركية بشكل قانوني عن حصة العراق الطبيعية , والإفراج عن كمية المياه المحتجزة خلف عشرات السدود التركية . الا بحدود طلبات فردية خجولة من قبل علاوي والهاشمي والمالكي عند زيارتهم لتركيا , والقصد منها دعاية إعلامية وكسب شخصي , دون مطالبة قانونية ومتابعة في هيئات دولية مثل الأمم المتحدة , والمحاكم الدولية إذ اقتضت الضرورة .
الجانب التركي يدرك هذه الحقيقة , ويدرك ان العراق لن يمتلك دولة تستطيع ان تنتزع حقوقها في الحصة المائية في ظل هذه الحكومات المبنية على صراع المحاصصة الطائفية والقومية . والوعود التي أعطوها لهذه الشخصيات , هي لإشباع نوازع هؤلاء المرضى بحب السلطة , دون ان يكلف نفسه حتى بتشكيل اللجان المشتركة لأنه غير مطالب بها بعد انتهاء زيارة هؤلاء واستنفاذ الإعلان الإعلامي . النظام التركي يريد ان يقايض الإفراج عن بعض استحقاقات المياه بشروط أفضل لتحسين أسعار استيراده للنفط والغاز , وتسهيلات أكثر مرونة لشركاته التجارية والإنشائية . وفي كل الأحوال هو شريك أكثر فائدة من الأردنيين الذين يتمتعون بتسهيلات كبيرة في العهدين الصدامي والحالي , والمسألة باتت في العقدين الأخيرين مسألة اقتصاد ومصالح في الدرجة الأولى , وتراجع في المسائل القومية والتحالفات التي تلتحف بها .
بعد زيارة اردوكَان للسيد السيستاني , اكد الشيخ عبد المهدي الكربلائي ممثل المرجعية الدينية في كربلاء يوم 20110401 خلال خطبة صلاة الجمعة التي ألقيت في صحن الإمام الحسين عليه السلام , على ان :" كان لقاء اوردكَان مهما مع سماحة السيد السيستاني حيث نوقشت جميع المسائل العالقة بين العراق وتركيا وعلى رأسها مسألة نقص المياه التي يمر بها العراق , وضرورة ان تسعى تركيا إلى حل هذه المشكلة التي أثرت على نقص في القطاع الزراعي والكهرباء . مشيرا الى ان رئيس الوزراء التركي قد وعد بإيجاد حل لهذه المسألة " . وبما عرف عن حذر في تصريحات المرجعية , فأن هذا الوعد قد منح العراقيين منسوبا أعلى من الأمل في زيادة مناسيب المياه في دجلة والفرات , وهو بعكس التصريحات الهوائية لعلاوي والهاشمي والمالكي وغيرهم من المسئولين بهذا الشأن . وهذا يتوافق مع الرغبة التركية التي تريد كسب احترام الشعب العراقي ومرجعياته الواقعية مثل السيد السيستاني , والإقرار لها بالصداقة الدائمة, وهي الضمانة الأكيدة لاستمرار نمو مصالحها دون التعويل على حكومتنا ونخبنا السياسية الحالية , التي لم تجد طريقها لحد الآن في إعادة بناء دولة يمكن الركون الى قراراتها بثقة.