عزيز العراقي
zizi.iraqi@yahoo.com
بين انياب الشفافية والحوافر الديمقراطيةعزيز العراقي
يتردد في الفترة الاخيرة , ويوميا تقريبا , اخبار تحت مقدمات " كشف مصدر رفيع في الشرطة العراقية ... ورفض المصدر الكشف عن اسمه " . وجميع هذه الاخبار تمجد بإمكانية وعبقرية تنظيم القاعدة , ويوما بعد آخر ترتفع اسهم " القاعدة " في التحكم بعملها ونشاطها في العراق . وبغض النظر عن " النجاحات " التي حققتها القاعدة في بعض عملياتها نتيجة هشاشة وضع القوى الامنية التي تم تأسيسها على اسس طائفية وحزبية وليس على اساس وطني , نرى ان المصدر الرفيع في الشرطة العراقية يتحدث عن تحكم للقاعدة اكبر بكثير من تحكم القوى الامنية للدولة . وعلى سبيل المثال يقول المصدر الرفيع :" التنظيم شكل خلايا صغيرة مهمتها خرق الاجهزة الامنية واعتماد عناصر من تلك الاجهزة للوصول الى المعلومات الامنية , وان هذا التنظيم قد تمكن فعلا من خرق الجهاز ألاستخباري والأمني العراقي ". او ان يؤكد : " ان تنظيم القاعدة ومن خلال خلاياه التي تعمل بسرية تامة يسعى الان لتنفيذ خطة استراتيجية جديدة في خلق الازمات في المحافظات وضرب البنى التحتية للحكومة " . او ان يحذر :" ان تنظيم القاعدة يستعد الان لتنفيذ عملية جديدة في سجون محافظات عراقية بعيدة عن النظر الحكومي ويبحث عن الوقت المناسب لتهريب قادته المحكومون في تلك السجون والتي منها سجون في العاصمة بغداد و الموصل او المحافظات الجنوبية ".
والله حرنا بين (السرية التامة) للقاعدة وبين هذا التحذير (المؤكد) لواحد كَاعد بنصهم . وأضاف المصدر الرفيع :" ان القاعدة قد طورت عملها الميداني في العراق من خلال نوعية الهجمات التي تنفذها مثل عملية سجن تكريت والتي تمكن فيها التنظيم من ادخال اسلحة كاتمة للصوت وأجهزة اتصالات متطورة للسجن بتواطئ عدد من عناصر حماية السجن ". وفي تصريح آخر للمصدر الرفيع ان :" نحو 15 من تنظيم القاعدة الذين فروا من سجن تكريت المركزي مؤخرا هم الان قادة في المعارضة التي تقود انتفاضة مسلحة للإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الاسد ". وهذا هو الوجه الآخر لتصريح المصدرالرفيع من ان الانتفاضة السورية هي طائفية سنية . هذه كلها منشورة في موقع " صوت العراق " يوم 26 / 10 / 2012 , ويمكن لمتابع اطول نفسا ان يجد اكثر من هذا في يوم واحد فقط .
قبل فترة قصيرة اكد اغلب الناطقين الرسميين باسم الحكومة والقوى الامنية : ان جرائم التفجير التي تقوم بها القاعدة هي لإثبات وجود وليس اكثر , بعد ان منيت بهزيمة ساحقة هي وجميع الارهاب , مما دفع احد هؤلاء الناطقين للتأكيد : انها الرفسات الاخيرة للإرهاب . وأصبح الامن مستتبا ,عندما يتعلق الامر في تطمين من يحضر الى اجتماع القمة العربية , او لتعداد ( انجازات ) الدولة التي يقودها حزب الدعوة , او لمناقشة النجاحات السياسية لدولة القانون في ادارة الدولة ..الخ . ويتساءل البعض : ما الذي دفع الناطقين باسم الحكومة لتغيير خطابهم الى 180 درجة باتجاه القاعدة رمز جرائم الارهاب السلفي السني ؟! هل هي الشفافية ؟! ام استحدثت لهذه الشفافية انياب لتمزيق كل ما تبقى للعراقيين مـن (صدق نية) يحفظ لهم توازنهم الانساني , وحال هذه الشفافية حال الديمقراطية التي اختزلت بالانتخابات , وتحولت قياداتها المتنفذة الى مافيات نشرت الفساد واللصوصية وحولتها الى اخلاق عامة , لتكون الانفال والمقابر الجماعية جرائم في زمن محدود , لا يقاس بعمق تغلغل الفساد واللصوصية التي اصبحت احد الملامح المهمة التي يجري التعامل معها ليس في اروقة الدولة فقط بل وعلى مستوى التعامل في الشارع . وكم من العقود سنحتاج لمعالجتها ؟! هذا اذا تحققت حكومة تمتلك مشروع وطني وبدأت بإزالة الخراب اولا .
يؤكد الكثيرون انه مثلما خلقت الانسانية الاشكال الحضارية المسالمة في تشكيل البنى السياسية المعاصرة , مثل الفيدرالية , الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة , التنافس الانتخابي الشريف , احترام الحرية الفردية ... الخ . خلقت في العراق توأمة لها , ولكن بأشكال حيوانية مفترسة , لها انياب وذيول والسير على الاربعة التي هي ايدي الطبقة السياسية المتنفذة . وهذه ( الشفافية ) التي تصارح جماهيرها الشيعية ( بكل وضوح ) عن الاخطار القادمة التي تهدد السلطة الشيعية التي بحوزتهم على ايدي القاعدة وباقي السنة السلفيين , مستغلين بساطة وسذاجة هذه الجماهير في شحذ هممهم الطائفية عند اقتراب موعد الانتخابات البلدية القريبة , وفي تهيئة هذه الجماهير من الان للانتخابات البرلمانية القادمة . تظل هذه القيادات لا تتردد عن استخدام كل انواع الخداع وهي تعتقد ان هذا الخداع هو الذي يضمن استمرارها في السلطة , وليس كونها وكيلة للمشروعين الامريكي والإيراني وأتباع هذين المشروعين بعد ان فقدت مكونات مشروعها الوطني .