عزيز العراقي
zizi.iraqi@yahoo.com
الجمعة 26/11/ 2010
ادعاءات للتهرب من الإفلاس الوطنيعزيز العراقي
بعد ان استقرت المعادلة السياسية في العراق مثلما أرادها الأمريكان , تلك الإرادة التي طرحت على لسان نائب الرئيس الأمريكي بايدن , من انهم يريدون حكومة محاصصة تشترك فيها جميع الكتل الفائزة , بعد ان تسحب بعض صلاحيات رئيس الوزراء لصالح رئيس الجمهورية ولصالح استحداث مجلس السياسات الوطنية برئاسة علاوي . وكان يعتقد ان هذا المجلس سيشبع بصلاحيات حقيقية تفي بحاجة توازن المحاصصة , الا ان الوقائع تدلل على ان هذا المجلس لن يكون اكثر من ديكور غير دستوري يستجدي إصدار قانون برلماني , ويكون عالة يثقل ميزانية الدولة المستنزفة أساسا في متطلبات الطبقة السياسية , لإرضاء الدكتور أياد علاوي وجماعته , بعد ان وضعت اللبنات الاولى لشله , وذلك في الحصول على ثمانين في المئة من مجموع أصوات المجلس للموافقة على قراراته , وهذا لن يحصل الا بقدرة قادر .
أمام خارطة الطريق هذه لإقرار معادلة المحاصصة الجديدة , خرج علينا الدكتور أياد علاوي في مقابلة مع صحيفة " الشرق الأوسط " يوم 20101125 , مع صورة شخصية له جرى الاهتمام بها لتوحي كونها (مبتهجة ومنتصرة) يقول فيها : بأنه سيحارب النفوذ والمطامح الإيرانية في العراق . وكان النفوذ والمطامح الايرانية في العراق هي المتعلقة فقط بحرمانه من فرصة تشكيل الحكومة , ومنحها للمالكي , بعد سلسلة من الخطوات استغل فيها المالكي منصبه , سواء باعادة العد والفرز في نتائج الانتخابات , او اجتثاث آخرين من قائمة علاوي , او مجموعة التنازلات التي قدمها لجميع الأطراف للحصول على التحشد اللازم الذي مكنه في انتزاع قرار المحكمة كونه صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر .
إلا ان الأهم الذي لم يجري التطرق اليه سواء من قبل علاوي او المالكي , هو موافقة الطرفين الإيراني والأمريكي على ترشيح المالكي . فالمالكي ليس هو الشخص الامثل بالنسبة للطموح الإيراني , ولكن النظام الإيراني يدرك انه لا يوجد أفضل من المالكي في المحافظة على وحدة الكتلة الشيعية (الطائفية) , وهي الضمانة الوحيدة لاستمرار نمو النفوذ الإيراني , ومنحه ( الشرعية ) في الدفاع عن الموروث الشيعي ورموزه الواقعية المتمثلة في المراقد المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء , وإدامة طقوسها الطائفية . وهو الستار الحريري لامتداده داخل المجتمع والاقتصاد والأمن العراقي .
والأمريكان من جانبهم لم يجدوا أفضل من المالكي لتطمين المطامح الإيرانية بدون خسائر أمريكية , فالمالكي رفع شعار " دولة القانون " الذي هو اقرب للعلمانية من الطائفية – بغض النظر عن صدق تطبيقه – والفوز الذي حققه المالكي من خلال هذا الشعار وضعه في الصف الأمامي بالنسبة للاختيار الأمريكي , ان تطمين مصالح النظام الايراني من قبل الامريكان في هذه المرحلة ضرورة لابد منها , وهو الذي بامكانه اقتطاع الجنوب والوسط العراقي بعصابات عراقية , من عصائب الحق وجيش المهدي وقوات بدر, رغم ( الخلافات ) بين المجلس الاعلى وإيران , وبامكان إيران كشف عورة الاحتلال الامريكي للعراق امام العالم اجمع , وتمريغ جبهة الدولة الاعظم في الوحل قبل الدخول في الصراع الفعلي مع النظام الايراني تحت ستار ( القنبلة النووية ) الايرانية.
الذي يريد ان يحارب النفوذ الايراني عليه ان يجد المشروع السياسي وليس الشخصي , الذي يستطيع من خلاله ان يحارب ليس النفوذ الايراني فقط , بل وقبل كل شئ ان يحدد العلاقة مع المشروع الامريكي المحتل قبل المشاريع الدولية الأخرى والمشاريع الداخلية من قومية وطائفية . ومثلما هو معروف , وأكد عليه الكثيرون , فلا بديل عن المشروع الوطني , البديل الوحيد والحقيقي للنهوض بالعراق , وإيقاف زحف باقي المشاريع الأخرى التي استباحت العراق . وفي عودة سريعة للأربع سنوات الماضية نجد ان الدكتور اياد علاوي وليس غيره من أجهض المشروع الوطني للقائمة العراقية , بعد ان جعل من إرادته الشخصية البديل عن المشروع السياسي للقائمة , وهذا ما رفضه الآخرون من شيوعيين وديمقراطيين مما أدى لتمزيق القائمة .
الخسارة الجديدة للقائمة العراقية رغم حصولها على اعلي الأصوات الانتخابية تؤكد على عدم جدية المشروع (الوطني) الذي ادعته , وأكدت مرة اخرى فشل المشاريع الشخصية أمام المشاريع السياسية , حتى وان كانت الأخيرة مشاريع طائفية او قومية . ان التفاف القائمة العراقية على المهمشين من البعثيين والعسكريين والقوميين العرب ليس كافيا ليجعل منها قائمة عراقية ما لم يتم تبني المشروع الوطني الحقيقي , والفشل الذي رافق السبع سنوات الماضية كفيل بادراك هذه الحقيقة .
لا احد ينكر ان الحكومة القادمة للمالكي ستكون هزيلة نتيجة كثرة الوعود ( المكتوبة ) التي منحت للفرقاء لاسترضائهم وموافقتهم على ترشيح المالكي , الا ان هذا الفشل المتوقع لايعني تزكية للآخرين ( العراقية ) , بقدر ما هو إسهام حقيقي للعراقية وزعامتها في خلق هذا الانحطاط السياسي الذي مكن المالكي من إعادة ترشيح نفسه , والذي لا يختلف عن مزايدات أي بازار , ان لم يكن أسوء . والطريق الوحيد في تقدير الكثيرين للقائمة العراقية هو إعادة النظر بهيكلتها, وتبني مشروع وطني حقيقي يستفيد من تفعيل دور البرلمان الذي حصلت على رئاسته , وتفعيل لجانه المختصة في مراقبة الحكومة , والبدء بالمشاريع الإنقاذية الحقيقية , والا ستركن في مزبلة التاريخ حالها حال الفلول البعثية .