|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  5  / 3 / 2017                                 د. أكرم هواس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يوميات معرض القاهرة للكتاب...
(1)

د. اكرم هواس *
(موقع الناس)

منذ أسابيع قليلة انتهى معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017.... و رغم اني سبق لي الحضور الى هذا المهرجان الهائل و المشاركة في بعض الفعاليات المختلفة و اجريت معي لقاءات إعلامية عديدة في سنوات سابقة... لكن لأول مرة كنت في دورة هذه السنة احد المدعوين بشكل رسمي للمشاركة في ندوتين ضمن البرنامج الرئيسي للمعرض والذي يشكل جزء من استراتيجية الدولة لتنظيم المعرض و دعوة المثقفين و وسائل الاعلام العربية و غيرها...

وعندما نتحدث عن استراتيجية دولة فإننا لابد ان نوضح بان مفهوم الإسترتيجية يتعلق هنا بشكل خاص بالتطور الثقافي الذي يشكل الفضاء العام في البنية الاساسية للتنمية في اي مجتمع... و بناء على هذه الفكرة كانت مشاركتي في الندوة الاولى و التي كانت تحت عنوان واسع جداً و هو "دور الدين في ثقافة المستقبل"..

في هذه السلسلة من المقالات ... احاول ان اعرض لبعض الملاحظات التي لم يسنح وقت الندوة للتحدث عنها و التعمق في مآلاتها وتأثيراتها سواء فيما يتعلق بالجانب المعرفي .. او بدور تلك المعارف و البنية الثقافية في قضية التنمية و التطور الاجتماعي بصورة عامة...

قبل الدخول في المناقشات اود ان اقدم شكري الجزيل و امتناني العميق لمصر عموما و خاصة المسؤولين عن إدارة و تنظيم هذا العمل الضخم وفي المعرض لشمولي بهذه الفرصة المهمة للتحدث في ندوتين مهمتين .... كما اقدم شكري لكل الزملاء الذين شاركوني الندوتين ... سأذكر أسمائهم لاحقا... و لكل الباحثين و المثقفين و الاعلاميين و الناشرين و الشباب من المصرين ومن العرب الذين حضروا الندوتين او المعرض عموما و كذلك الذين جمعتني بهم لقاءات و جلسات جميلة في مقاهي وسط البلد ... (سأتحدث عن هذه الظاهرة الثقافية الثرية في المقالات اللاحقة)... لكن من الضروري ان نذكر ان المجتمع المصري عبر تاريخه القديم و الحديث يقدم نموذجا رائعا يندر تكراره في مستوى التسامح و التعددية و الانفتاح بشكل اختيار ذاتي رغم الضغوط الاقتصادية و التحديات الخارجية الكثيرة...

لكن رغم هذه الصورة النموذجية الجميلة الا اننا لابد ان نعمل على تقديم تحليل و ملاحظات نأمل ان تساهم في النقاش العام الذي يرتكز اليه تنظيم المعرض عموما و خاصة الندوات و الفعاليات العديدة الاخرى في إطار برامجه...... في هذا الإطار سأبدأ سلسلة مقالاتي مع اشكالية الثقافة و المجتمع الثقافي .....

رغم ان الصورة الذهنية لمفهوم الثقافة تتبادر من خلال ميكانيزمات متميزة و منها الأدب و الفن و الاعلام و هيئات و جمعيات وفعاليات معينة و منها إقامة المعارض للكتاب ..... الخ... الا انه قد يكون من الضروري توخي الاختزال و النخبوية في التعامل مع الثقافة.... لان الاختزال يعني بشكل مؤثر حرمان المواطن .... اي مواطن بغض النظر عن طبيعة عمله و مستواه العلمي والاجتماعي .... من الإحساس بقيمة دوره الكبير في التفاعل الثقافي و بالتالي في التطور الاجتماعي في المجتمع....

هذا الإحساس بالمشاركة يشكل أساسا ضروريا للانتماء المجتمعي و يلعب دورا أساسيا في تحفيز الدوافع لدى الانسان / المواطن في الشعور بالانتماء و تحمل المسؤولية ... كما انه يلعب دورا أساسيا في الحفاظ على العلاقة الهلامية الذي يشكل الإطار العام لمفهوم الانتماء الى المجتمع و بالتالي يشكل عاملا إيجابيا في العلاقة بين الدولة و المجتمع و بالتالي في العملية التنموية في المجتمع..

في الجانب المعاكس لهذا الإحساس العام فان واقع الاختزال و النخبوية قد يلعب دورا سلبيا في التطور الاجتماعي العام رغم الهالات و الصور البراقة و الإبداعات الجميلة لأهل الأدب والفن والفلسفة وغيرها كثير من الفعاليات التي تخلق بلا شك أسسا مهمة في البناء المدني للمجتمع... والذي يخلق توازنا ضروريا للحفاظ و ديمومة المسار السلمي في التطور الاجتماعي في اي مجتمع...

الجانب السلبي في الاختزال والنخبوية يتعلق بفرضيتين واقعيتين و هما :

اولا.... خلق شرخ اجتماعي يؤدي الى بشكل ما الى انفصام بين شرائح المجتمع و بالتالي يلعب دورا في تشويش مفهوم الانتماء وفق الأساس الوجودي الأولي و اعني بذلك المواطنة....

ثانيا.... النخبوية تساهم في الصراع السياسي على السلطة و بالتالي تعمق في تعقيد العلاقة بين الدولة و المجتمع... فالنخبة الثقافية قد تشكل حلقة وصل بين المطاليب الاجتماعية و قدرات الدولة و سلطتها ... لكنها ايضا قد تشرعن الصراع سواء بالتحالف مع احد الطرفين او الوقوف في زاوية منعزلة و بالتالي زيادة مساحة الاحتكاك المباشر بين القطاعات الشعبية المهمشة والفقيرة ومؤسسات الدولة وأدواتها ...

في كلا الحالتين تميل النخبة الثقافية الى لعب دور سياسي و هذا يبعدها عن تمثيل روح التلاحم الاجتماعي و انعكاسها في ترسيخ التفاعل الاجتماعي التنموي .. خاصة ان فرضية "حلقة وسط" هي حالة مثالية عموما في التجارب التاريخية و يحتاج ثباتها و ديمومتها الى ظروف و مسارات لا تتوافر عادة بسبب التغيير المستمر في التطور الاجتماعي ... ليس فقط اعتمادا على التحولات في البنية الاقتصادية في الداخل و الخارج ... و إنما ايضا كنتاج لعمل النخبة الثقافية نفسها و تأثيرها في الواقع الاجتماعي ...

كل هذه التغيرات و التحولات تؤدي الى زيادة الميل نحو تسييس العمل الثقافي و عليه فقد يتحول المجتمع الثقافي الى شبه منظمات او تنظيمات خاصة في المجتمعات الفقيرة تقارع سلطة الدولة .... بينما في المجتمعات الغنية يتفاعل المجتمع الثقافي مع الحاجات اليومية للمواطن و المجتمع بصورة عامة و بذلك يلعب دورا المجتمع المدني الوسيط بين الدولة و المجتمع...

في مصر... كما قلت في الندوة... فإننا ازاء مجتمع زاخر بتراث ثقافي ليس فقط تأسيسا على العمق التاريخي القديم و إنما ايضا في التاريخ الحديث و منذ تأسيس الدولة الوطنية فان الانتاج الثقافي في مصر يشكل ظاهرة كبيرة ذات تأثير واسع يمتد عبر حدود مصر الوطنية و القومية (اعني العالم العربي و المجتمعات المسلمة) الى مختلف المجتمعات الاخرى ...

هذا الثقل الكبير و التأثير الواسع يشكل بلا شكل أساسا واقعيا لظهور ما سميته "الإمبراطوريات الثقافية" في مصر و هذا المفهوم يقربنا كثيرا من الكلام عن التسيس و الصراعات و النخبوية ... في المقالات اللاحقة سنحاول مناقشة بعض المظاهر الثقافية و كذلك بعض الحلقات المهمة في الترابط الثقافي في المجتمع ...

في المقالة القادمة سنناقش احد اهم الطروحات التي تناولتها شخصيا في الندوة الاولى و هو موضوع الشباب و تطور ثقافة الشباب في السنوات الاخيرة... قبل ذلك اود ان اشكر الدكتور نبيل عبدالفتاح ... احد اهم باحثي مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.... الذي ادار الندوة الاولى و قدم مساهمة فعالة في الطروحات و النقاشات... و طبعا الشكر موصول للزميل الدكتور محمود عبد الله الباحث في المركز القومي للبحوث الجنائية لمساهمته الرائعة... حبي للجميع..

 

* اكاديمي عراقي - الدنمارك

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter