| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عزيز الحافظ
 

 

 

 

                                                                                    الأثنين 27/6/ 2010


 

لإنين أمي، يئن دواّر الماجدية بعد جسر الكحلاء

عزيز الحافظ  

مع إنه في بغداد منذ 50 عاما.. ولكن ذاكرته لم تنس مطلقا إنه ولِد َ في القادرية في ميسان خمسينيات القرن المنصرم.. بعمر ثلاث سنوات كان يعي شجار أبوه الدائم مع أمه بنت عم أبيه.. كان يرى الصفعات والسباب والشتم والبصاق فيلوذ تحت خشبة أسمها بوفية بلا أبواب ولكن فراش الدار كله ينوء مهموما فوقها يئن من بشاعة تغيّر ألوانه! وبعد كل معركة تظهر أسلحة أمه بدموعها وأنينها وهسيسها ونجواها وشكواها وحشرجة صوتها فلا يعي غير الاقتراب الوئيد من كتلة جسدها المحتضنة يديها تشابكية الاقدام مخفية الرأس كإنها جزء ميت من بالي الغرفة القاتمة!

تحتضنه.. لا تكفكف كفاه دمعها.. ولكنها تصمت عن النشيج برهات ثم تنتفض تلبس عباءتها الصفراء السواد.. وترفعه من الأرض غاضبة وتغادر مملكة الإهانة الزوجية متوجهة لدار بن خالها في حي الماجدية مخترقة شارع بغداد عابرة جسر الكحلاء الشهير وهي تسحب أبنها الشارد ذهنه وعينيه مذهولا في ما يرى! فقد كانت تبهره الحياة خارج بهجة قتمة غرفتهم! هي شاشة سينمائه الخاصة وهو يتشبث متمتعا بالمناظر وأمه تفور غضبا تطوي الأرض نحو أقاربها! ثم بلفتهٍ حملته من الأرض ووضعته على كتفها وقدميه متفرقة بين صدرها وظهرها مستمتعا بتخيله وبقدرته الطفولية على مسك السحاب بعد مغادرته الأرض!! اجتازت أمه الجسر مسرعة عصر ذاك يوم السُباب ثم وصلت الدوار المعروف الذي كان خزان الماء الرئيسي لميسان يربض وسطه أختارت يسار الدواّر وولدها منتشٍ بمنظر الخزان العالي وأنابيبه ودعائمه وإنتفاخه ثم وصلتْ لمنتصف المسافة وإذا بها تتهاوى مرتجفة صارخة بصوت أشبه بالخواء ليسقط أبنها كسنبلة قمح مالت مع هبوب ريح عاتية! فتلقى أبنها الأرض بيديه الصغيرتين بعدما أنذهل لفقدان أمه توازنها الفجائي.. فتوقى الأذى .. تجمع الناس فورا غطوها كإنها ميتة ... الزبّاد يخرج من فمها فقد كانت مصابة بالصرع! وهذه النوبات تأتيها عند تلقيها ما يؤذيها .. تعالت الأصوات ، إجلبوا الإسعاف.. غَسَلّوا وجهها بأكف النساء اللواتي تجمعن للفضول والبكاء أيضا نسوا موقع الطفل من مسرح السقوط المدّوي .. لاذ خلف الجموع لا يقوى على شيء سوى ببديهته الطفولية بكى مثل البكائين ولكنه بكاء ملفت للنظر! انتبهوا له قالوا إنه حتما أبنها ! أنهالت عليه الاسئلة كأنه بمؤتمر صحفي!! ما أسمك ؟ أين تسكن ؟ أين أبوك ؟ لمن أنتم ذاهبون ؟ لم يجب سوى إن أمه فيها بالعامية {شَمْرَه} وستنهض بعد زوال النوبة وسترتاح فقد شاهد المشهد المسرحي عشرات المرات وحفظه على ظهر قلب سوى إن أمه ستنهض بعد حين ولا تتذكر ما حدث عدا تعب كبير جهدي في جسدها .. مرت ساعة أو أقل نهضت أمه واعية رويدا رويدا وجدت بعض النساء حولها عرفت الحالة .. بغريزتها أولا سألت عن أبنها وأسَرَته في قفصها الصدري بعنف.. ثم نهضت وسألته هل وصلنا بيت منصور؟!! إنه لا يعرف لا منصور ولا داره ولكنه تنفس الصعداء... أمه بخير ولن تحمله على كتفها ولكنه سيغّير مشهد غرفتهم البائس بمنظر ذاك البيت الكبير لاقارب إمه و طعم التمن العنبر و اللبن الخاثر الطيّب الذي تتميز به زوجة منصور لتُنسيه تهاوي وسقوط جبل أمه وسط دواّر الماجدية بحادثة محفورة 50 سنة في تلافيف دماغه!
 


الماجدية : مدينة عراقية جنوبية
جسر الكحلاء : جسر عراقي ميساني
شَمْرَه : داء الصرع















 

free web counter