| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

عزيز الحافظ
 

 

 

الأربعاء 24/11/ 2010

 

الرصاصة 15 مجانية

عزيز الحافظ

مع إنه يعرف العّد جيدا فهي ليست موهبة إستثنائية تصاحب ملكات الابداع البشرية.. ولكنه لم يجرب نفسه تستقصي آثر رصاصات في جسد بشري لا ترتجف بالتفكر بها أنامله وهسيس الفزع يخالطها!

كان يستغرب على طلاب الطب فحص الجثث أو تشريحها فكيف بتقليب جسد مغللّ برصاصات غلّ رقدت بفاشية في جسد بشري ندي طري ليس مهما تصنيفه أنه لي اخا ركضنا في ذكريات ملاعب الطفولة محبورين جذلين... سوية.

كنت أظن الرصاصات سبعا عندما كانت مقلتاي وهواجسي وإرتجافي ومحاجري ودموعي وإرتباكي تقلّب بالنظر جثة اخي وتمارس خلسة، العدّ الدامع المتقّرح اللاموصوف للجسد المرصوف وسط غرفة المعيشة ولكن اناملي لم تغادر الجسد إلا مرغمة مرتجفة لم تقو على العدّ الموضعي لرصاصات رزايا الفاشيين لانها فقدت عذرية الجرأة والتمحيص وذاكرة التحليل لرؤية ميت قتيل مظلوم نكتم وسط دارنا شهقات وآنات وزفرات وحسرات وخلجات وطول موجي لصرخات لا يسمعها الجار .. حرص الوالد بتوزيع اوركسترالي بيده لا بعصاه على منعه مع إن الصراخ هو الصراخ لا يرتدي زيا تنكريا آخر ولا يتقمص موجات نغمية بديلة...

ذاك السامي سامٍ بيننا ذاك الاشقر الشعر ذو الخصلات التي تناعست على جبينه اللجيني وهمس ببسمته المطبوع صداها القتيل في شبكيات عيون عائلته، لا يئن لمرض ما صامتا... رسالته لنا تمعنوا في رصاصاتهم ال14كيف مزقت صدري المتقّد شوقا إليكم.. شرّ تمزيق ولم تُخطأ واحدة منها لتصيب قدميه..

كان اخوه الاوسط اكثرهم جرأة فقام بعدّ الرصاصات جرحا تلو الاخر موضعا بعد موضعا مبضعا بعد مبضعا هذا الممدد بييننا لن نمازحه بعد اليوم ... فتشوا ملابسه العسكرية وجدوا آخر رسائل الاتصال بيننا ووجدوا مبلغا من المال أرسلوه له حيا وعاد معه دفين الهمّ ولم ينهبه الفاشيون فقد كان سامي نفسه نهيبتهم يتدلى حزام بنطلونه كعنقود عنب مأكول يصرخ بظلم الفاشيين . إذن دفعنا لهم قيمة 14 رصاصة فلم يكن ممكنا هنا التفاوض حول التسعيرة ولكنا وجدنا فتحا مبينا إنها رصاصة الرحمة الرصاصة رقم 15! لم يحصّوها مع التعداد الثمني! فقد كانت الرصاصة المجانية، مدسوسة في الرأس بزاوية مائلة يستحيل معها الرؤية والتمحيص وبقت راقدة مستقرة لم تهشم من وجهه الصبوح كباقة ورد فهل انت تنظر لديكور تشكيلي لتُبدي إعجابك وثنائك ؟ أنت تنظر لمشاعر ألهبها وأحرق حديقة آمالها طلقات غدر الفاشيين... فقد يكون الضحية أخاك أو اي غريب تتمعن بصمت وخشوع بجسده كإنسان آذاه سلطوي غاشمي..

مرّت لحظات لا ساعات فاتخذوا الليل سترا لا سكنا.. وهيأوا مستلزمات حمل الاخ - الجنازة بلا وداع فمن قرر العناق والتقبيل منعه الذهول واللاتصديق وتيبس الجثة ليقرر الأب ان يكون هو فدائي الرحلة رحلة الدفن فمن يعلم من سيأخذ سامي معه منهم لو رافقوه واوقفتهم مفارز الفاشيين المنتشرة كالنمل بطريق دفنه والمطنطنة كالذباب ؟ اليست شهادة الوفاة (خائن إعدام حتى الموت) كافية لجواز سفرهم المجاني برصاصة فاشية؟!

لم يذهب أخوته معه ولكن الاصعب للأب هو دفنه مع الغرباء فحتى في مدافنهم كانوا يخافون قراءة شواهد قبور أحبتنهم الشهداء المظلومين خوفا على حياة الباقين آحياءا وهم أموات من الغيظ والصبر.

 

 

free web counter