| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. عدنان الظاهر

 

 

 

 

الخميس 8/3/ 2007

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس



حِداد المتنبي


عدنان الظاهر
www.mars.com
الخامس من آذار ( مارس ) 2007

هل جاءك يا صاحبي نبأ ما حل َّ بالشارع الذي يحمل إسمك في بغداد ؟ قال سمعت ُ سمعت . لا تعيد النبأ على مسامعي . لا أطيق سماعه . قمنا معاً وقرأنا الفاتحة على أرواح الشهداء . شربنا القهوة المرة وأكثر صاحبي من التدخين وظل لفترة طويلة صامتا ً حزيناً مكتئباً لا من رغبة فيه للكلام . كان وجهه شاحباً ووجهه عابسا ً غيرَ حليق . قال إنه لم ينم الليلة الفائتة . ثم ردد : وكيف أنام ؟ الشارع يحترق ... أجساد الناس الأبرياء تحترق ... الكتب تحترق ولا تحترق قلوب الإرهابيين ومموليهم والذين يحتضنونهم ويوفرون لهم المأوى والطعام . مصيبة مصيبة يا عزيزي . مصيبة ما بعدها من مصيبة لا أكبر ولا أعظم . إلى أين وصلت الحالة في العراق ، إلى أين ولماذا ؟ قتل هولاكو الناس وأحرق الكتب لكنه لم يفجّر في بغداد أطنان الديناميت وغيره من المتفجرات ولم يفجّر حاويات تحمل غازات سامة وحارقة تقتل بالجملة لا تفرق بين طفل وإمراة ورجل وشيخ ولا بين برئ ومذنب . مصيبة المصائب ولا يعلم إلاّ الله إلى أين يسير العراق . إنتقلت لي العدوى فأصابتني حالة سوداوية لم أصب بمثلها في حياتي . نكّست رأسي وغطيت بكفي َّ عيني َّ لأبكي لكن خانتني الدموع . لم يبق َ في المحاجر من دموع . المصيبة أكبر وأعظم من كل دموع البشر . وماذا يفيد الدمع إذا كان مسيل الدم أكبر ؟
أجرى هولاكو ماء دجلة حبراً أسود َ لكنَّ إرهاب الإرهابيين القتلة أجراه دما ً أحمر َ قانيا ً . الويل لأسماك دجلة و شواطئ أبي نؤاس وشارعه وليالي سمّار مقاهيه . الويل للجواهري ودجلة خيره وحمائم دجلة اللائذة بين الماء والطين . لا يرويك يا جواهري إلاّ ماء دجلة الصارخة الضارعة الباكية ولا من مغيث .
مصيبة .
ماذا سأناقش اليوم مع المتنبي بعد أن أحرقوا شارعه ودمروأ المكتبات فيه وقتلوا المارة والمتسوقين من دكاكينه ؟ سمع الرجل قولي فتنهد َّ وقال : إذا أصابت أحدكم مصيبة فقولوا لا حولَ ولا قوّة َ إلاّ بالله .
ماذا تقترح يا متنبي لهذا اليوم المشؤوم ؟ قال سأحسبه مثل غيره من باقي الأيام . ماذا تقصد ؟ قتول قتول ... إنفجارات إنفجارات ... سيارات مفخخة وسموم .... تهجير وقتل على الهوية ... سأحسبه يوما ً من هذه الأيام وإنا لله وإنا إليه راجعون . بغداد حزينة . بغداد يغطيها السواد والرماد والدماء . بغداد مكفهّرة الوجه ولا أمان فيها . هل نعود إليها يا متنبي ؟ نظر إليَّ نظرة غامضة معتمة لا إحساس فيها . أين نولّي فيها ؟ قال ، لا دار لنا فيها ولا وظيفة ولا تقاعد ولا مال . أين نولّي ومن يؤينا ؟ الأهل قضوا ولا من صديق باق ٍ على العهد والولاء والوفاء . أين نولّي وأين نُقيم ؟ ليتنا نستطيع الرجوع لنضمن في الأقل لنا قبراً نسكنه تحت أديم العراق كبقية أفراد عوائلنا وأهلنا وباقي العراقيين . لكل ٍ مسكنهُ في حياته وقبرُه بعد مماته إلاّ نحن !! مصيبتنا مصيبة المصائب . لا حياتنا حياة ولا مماتنا ممات كباقي العباد . مصيبة !!
معك كل الحق يا متنبي . هل تنبأت وأنت المتنبي بهذا المصير الأسود للعراق ؟ قال نعم ولكن ، ليس بهذه الدرجة من الحلكة والدمار . كانت لدي تصورات خاصة عمّا سيؤول إليه أمر العراق والعراقيين بعد أن سرقهما رجل معتوه مشبوه دموي مستبد كصدام حسين . (( أخي جاوز الظالمون المدى ... )) قرأ المتنبي بحزن عميق .
ألا نأكل شيئاً يا متنبي وقد تألمنا وقرأنا الفاتحة وحوقلنا وبكينا من غير دموع ودخّنت َ أنتَ كثيراً بل وبإفراط  قال لا بأس بشئ خفيف ثم لا تنسَ الشاي فإنه بلسم الجراح وطبيب المقهورين وإنّا لله وإنّا إليه ِ راجعون .