| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الأسدي

 

 

 

                                                           الخميس 14/2/ 2013

 

الصين الشعبية ... والانتقال الى الرأسمالية
(3)

علي ألأسدي

حين استلم داعية اقتصاد السوق دينك أوكسياو بنغ قيادة الحزب الشيوعي الصيني عام 1978 كان الانتاج الصناعي الاشتراكي ينمو بمعدل يتراوح بين 10 و11 بالمائة سنويا خلال فترة العشرين عاما من قيادة ماو تسي تونغ. وبعد انجاز خطتي التنمية الاقتصادية 1953 - 1957 و 1958 - 1962تم مضاعفة انتاج مواد البناء واستخراج الفحم وانتاج المعدات والآلات والحديد والصلب والنفط ومشتقاته.وبعد تأميم الصناعات الكبرى وطرد الشركات الأجنبية وتحرير الاقتصاد من هيمنتها ، تمكنت الصين من الوصول بفترة قياسية الى انتاج 5.3 مليون طن من الحديد والصلب ، بنفس الوقت الذي كانت الولايات المتحدة المتطورة صناعيا تنتج 100 مليون طنا ، وبريطانيا 20 مليون طنا سنويا.ونجحت في تحقيق الاستخدام الكامل للعمالة الصينية وهو انجاز لم يتحقق حتى في الدول الصناعية المتقدمة الا لفترة قصيرة إبان الازدهار الاقتصادي.(3)

وبرغم الاضطرابات التي حدثت في الفترة 1966 –1976 استمر الانتاج الصناعي بنفس الوتيرة دون مساعدة خارجية. وفي عام 1979 حققت الصين نسبة تراكم رأسمالي مقدارها 32% ناتجها القومي وهي نسبة غير مسبوقة في اقتصاد دولة نامية باستثناء الدول الرئيسية المنتجة للنفط.

تلقت الحركة الشيوعية العالمية انتصار الاتجاه الاصلاحي الذي باشر التحول نحو الرأسمالية عبر اشتراكية اقتصاد السوق بعدم تصديق وبحذر شديد ، وما يزال موضوعه مدار نقاش معمق داخل الحركة لحد اليوم. حيث اعتبر الكثير من الشيوعيين والماركسيين والتقدميين أن الاشتراكية في الصين قد بيعت الى الرأسمالية ، وان الاشتراكية قد حكم عليها بالموت. ومع رفض الشيوعيين الصينيين لهذه الاراء الا ان واقع الحال عكس ذلك. فالقطاع الرأسمالي الأجنبي في الصين والرأسمالية الصينية الصاعدة بوتيرة متسارعة تشير بوضوح الى تحولات اقتصادية تتعزز فيها الرأسمالية لا الاشتراكية في الصين.

لكن جزء واسعا من الليبراليين اليساريين قد أشاد بالاصلاحات الاقتصادية ودورها في تطور الاقتصاد الصيني الذي مكن الصين من تحاشي الأزمة الاقتصادية الراهنة المهيمنة على الدول الصناعية منذ عام 2008. ينسجم موقف اليسار المؤيد للاصلاحات مع آراء دينغ أوكسياو بنغ نفسه ، فقد عبر مرة مفسرا اصلاحاته الرأسمالية قائلا:

" ليس مهما أن يكون لون القطة أسودا أو أبيضا ، مادامت قادرة على الامساك بالفأر ". فأكثر اليساريين من متبني هذا الصنف من التفكير لا يعنيهم أن تقود اشتراكية اقتصاد السوق الى الرأسمالية أم الى الاشتراكية ما دامت على تحقيق نتائج الصين الى الرأسمالية أو الاشتراكية لون الحزب الشيوعي الصيني أزرقا أو أحمرا باهتا ما دام يمسك بالسلطة ويتحدث عن الماركسية. وليس واضحا الى أي مدى سيذهب الشيوعيون الصينيون واليسار في حساباتهم بان اقتصاد السوق سيعمل لصالح الاشتراكية وليس للرأسمالية ..؟

فالصين تسير قدما لترسيخ اقدامها في أسواق المال والاستثمار الصناعي والتجارة الخارجية ليس دون موافقة واجازة الولايات المتحدة. فبعد فترة اختبار منذ تبنت الصين سياسة اقتصاد السوق وافقت الولايات المتحدة على قبول الصين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الحرة مكافئة لها لتبنيها خطها الاصلاحي الجديد.

وتبعا لذلك تدفقت أكثر الاستثمارات الصينية الخارجية الى الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث توزعت في مناطق عديدة وفي قطاعات اقتصاعدية مختلفة في الجنوب الغربي والبحيرات العظمى والجنوب الشرقي وفي اقصى الغرب. فشملت صناعة استخراج النفط والكيماويات والآلات وتقنية المعلومات ، وفي تجارة الأسهم والسندات. (4)

في عام 1949 حتى عام 1979كانت استثمارات الصين في الخارج باستثناء المانيا صفرا ، بدأت في التزايد باتجاه البلدان النامية أولا ، ثم بعد ذلك توجهت للدول الصناعية.حيث تزايدت لتصل في الفترة 1982- 1990 بحدود 500 مليون دولارا سنويا. وفي الفترة 1991- 2004 تصاعدت لتصل في المتوسط الى حوالي 3 بليون دولارا سنويا ، ثم تعاظمت لتصل في فترة 2005- 2007 الى متوسط سنوي مقداره 56 بليون دولارا. ومنذ عام 2010 أصبحت الصين خامس أكبر مستثمر للأموال خارج بلاده. ويوجد للصين خمسون شركة حكومية في الخارج موزعة في انحاء العالم تستثمر أموالا فيه ومن بينها ثلاث شركات تعتبر الأكبر في العالم. وتعتبر الصين المتلقي الأكبر للاستثمارات الاجنبية. وقد توزعت الاستثمارات الاجنبية في مناطق الاقتصاد المفتوح التي أشير لها في الجزء السابق من هذا المقال.(5)

عملية التحول نحو اقتصاد السوق في الصين قد بدأت سنوات قبل فشل برنامج كورباتشوف الاصلاحي في الاتحاد السوفييتي السابق ، وبعكس الاضطراب وسوء الادارة الذي رافق برنامجه كانت الصين واعية تماما لما تريد تغييره أو اصلاحه. ولأنها كانت قد حددت بدقة آليات التغيير وأهدافه السياسية والاقتصادية فلم تنحدرالى الفوضى التي حلت في الاتحاد السوفييتي واوربا الشرقية. وبينما قادت الاصلاحات في الصين نحو تسريع النمو الاقتصادي ليبلغ متوسطه السنوي بحدود 10%سنوبا كان اقتصاد روسيا ينكمش ، واستمر كذلك لسنين قبل أن يتجاوز 1% سنويا. وفي الوقت الذي ادار الحزب الشيوعي الصيني الصيني عملية التحول نحو اقتصاد السوق ، فقد كورباتشوف موقعه في الحزب والسلطة وبرنامجه الاصلاحي ممهدا الطريق واسعا لنهاية دولة الاتحاد السوفييتي ونظامها الاشتراكي. وفي الوقت الذي استمر قادة الحزب الشيوعي الصيني سادة الموقف ومركز القرار السياسي ، فقد كورباتشوف تأييد شعبه في أول انتخابات تجري في روسيا ، وكذلك فعل الغرب ، فبعد أن أستنفذ ما أراده منه ألقى به على قارعة الطريق كأي جهاز عاطل عن العمل.

أما الحزب الشيوعي الصيني قد تعلم كثيرا من أحداث عام 1989 في ساحة تيانامين والاحتجاجات التي حدثت فيها. لقد أشعرته بضرورة البقاء على أهبة الاستعداد لاجراء التغييرات الاقتصادية في الوقت المناسب تجنبا لأي توترات مع شعبه. بنفس الوقت الذي يحفز المزيد من المواطنين للمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية ليأخذوا دورهم لخدمة مصالح كل الشعب. فالحزب الذي له أكثر من80 مليونا من الأعضاء لا يمكن أن يستمر باتباع سياسات غير مقبولة من الشعب الصيني حيث 900 مليونا من المواطنين هم من الشباب الواعين.(6)

لكن في ظل غياب وسائل الاعلام المستقلة يصعب الوثوق بما تدعيه الدوائر الاعلامية الرسمية الصينية بأن الشعب مقتنع ويدعم الحكومة الصينية. فصحافة الحزب المتداولة عالميا تعلن في مقالات صحفييها بأن المهمة المركزية للحزب هي تحسين المستوى المعيشي للناس باضطراد. ففي لقاء مع الصحافة الغربية في بكين تحدث لونغ اكسمين من قسم التاريخ في الحزب حول بعض تلك الموضوعات قائلا : (7)

" ليس لنا في الصين من يعتقد أن الاشتراكية مساوية للفقر. لقد أنجزنا الكثير في هذا المجال ، لكن هناك الكثير مما يجب عمله. المشكلة الرئيسية التي نعمل على حلها هي مشكلة فرص العمل والفقر في الريف ، التحدي الأكبر هو تزايد أعداد الطبقة العاملة الصينية ، ونقص المساكن في وقت يوجد الكثير ممن يملك أكثر من بيت ويضارب باسعار البيوت. المواطنون الصينيون بحسب اكسمين سيتمكنون اعتبارا من عام 2015 من حصولهم على الراتب التقاعدي وان التنوع الاثني يعمل ايجابيا بالرغم من أن الأكثرية الحاكمة من قومية الهان."

التصريحات الرسمية قد تصدق أحيانا ، لكنها في أحيان أخرى كثيرة تجافي الواقع وتقفز على الحقائق ، فاضافة الى عدم المساواة الصارخ في توزيع الدخل والثروة فهاك شعورا بالمرارة بين سكان الاقليات الاثنية.فهناك صراعا إثنيا قائما بين الخمسة والخمسين قومية التي يتكون منها الشعب الصيني وبين القومية الأكبر المهيمنة على السلطات السياسية والاقتصاد في الصين. تلك القوميات مختلفة الديانات واللغات والثقافات. فالأقلية المسلمة قد عبرت في السنوات السابقة عن تذمرها من السياسة الحكومية تجاههم ، كما أن قومية التبت تخوض صراعا سلميا منذ تأسيس الصين ولها مطالبها لنيل حقوقها في اقامة دولتها الخاصة.

لكن المشكلة الأكبر التي قد تزعزع الاستقرار في الصين هي التذمر والغضب الناتج عن التفاوت الصارخ في توزيع الدخل والثروة الذي يزداد اتساعا. هذا التفاوت يميل لصالح البرجوازية الكبيرة التي نمت بسرعة على حساب الطبقة العاملة الصينية منذ المباشرة بسياسة اقتصاد الصين. الحكومة الصينية لا تتدخل لتضييق الفوراق الطبقية لصالح الطبقة العاملة ، ففي العام 2012 كان في الصين 95 بليونيرا ، وهو أكثر مما في بريطانيا وهونكونغ وكندا مجتمعة ، هذا عدا أصحاب الملايين الذين يعادل عددهم اضعاف عدد البليونيرات. وقد نشرت وزارة المالية الصينية بتاريخ 19\ 6\ 2003 تقريرا هو بحد ذاته رسالة ادانة واضحة لسياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. حيث جاء فيه (8):
1-ان الفجوة في توزيع الدخل بين الفقراء والأغنياء تزداد اتساعا.
2- ان الثروة تتركز في أيدي عائلات قليلة وتتضخم من يوم ليوم.

لقد قاد ذلك التفاوت الى تعاظم الصراع الطبقي بين من يمتلكون كل شيئ وبين من لايملكون غير قوة عملهم. وتحتدم التناقضات داخل الأقلية الحاكمة التي تتصارع حول الميزات لها ولمن حولها. وتحاول الأقلية الحاكمة تمرير منافع السلطة لافراد عائلاتهم وأطفالهم وهو امر عادي في المجتمعات الطبقية ، ولهذا فان الصراع سينتقل من جيل الى جيل. انها ظاهرة خطرة لا يمكن ان تستمر الى ما لانهاية ، فاذا لم يسارع الشيوعيون الحقيقيون في القاعدة والقيادات لوضع حد لها فالبلاد قد تنحدر الى الفوضى وانهيار الدولة.

يتبع
 

 

 

free web counter