| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عدنان عاكف

 

 

 

الأحد 22/4/ 2012



آينشتاين! الوجه المجهول
قراءة في كتاب

عدنان عاكف

لو سألتُ في جلسة سمر: " من هو آينشتاين ؟ فماذا سيكون جوابك ؟

قد تقول انه " عبقري " أو " رائع " ، أو ربما حتى " بروفيسور شارد الذهن ".

ولكن قلة، من سيجيب : " مناضل اجتماعي " أو " مدافع عن حقوق الإنسان ".

ولن تجد عمليا من سيقول : " مناضل ضد العنصرية ".

فريد جيرم

الحلقة الثانية

هل كان آينشتاين شيوعيا ؟
توقفنا في الحلقة الأولى الى جوانب متعددة من نشاطات آينشتاين في الميادين السياسية والاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بنشاطه ضد النزعة العسكرية التي سادت أوربا قبل نشوب الحرب العالمية الأولى وبعدها، ومساهماته المتعددة في النضال من أجل تعزيز السلام العالمي، ونضاله ضد العنصرية والنازية. إضافة الى مواقفه مع قوى اليسار بعد انتقاله الى الولايات المتحدة، و الى جانب الديمقراطيين واليساريين في اسبانيا خلال الحرب الأهلية وساهم بنشاط كبير في النضال ضد العنصرية ومن أجل حقوق السود في أمريكا. ولم يخف تعاطفه وتأييده لقوى اليسار الأمريكي.

لقد قادت هذه النشاطات المتنوعة مكتب التحقيقات الفدرالي ( م.ت.ف. ) ورئيسه ( هوفر ايدغر ) الى قناعة بان هذا العالم الكبير يخفي في داخله هدام خطير. وقد وجد هوفر نفسه في موقف حرج جدا. فهو، من ناحية، يتعامل مع شخصية طبقت شهرتها الآفاق، لذلك فان أي تيساند قوى اليسار. ولكنه، في نفس الوقت، لا يمكن أن يسمح لهذا الرجل المشهور ان يتمادى في وقوفه مع القوى المعارضة للنظام.. لم يكن أمام هوفر إلا ان يخضع آينشتاين لمراقبة صارمة، بلغت قي بعض الحالات الى مستوى جنوني لتشويه سمعته والسعي الجاد من أجل ترحيله عن البلاد !!

ينهي مؤلف كتاب " الملف السري لآينشتاين "، الذي استعرضنا في الحلقة الأولى جوانبا منه، بخاتمة مطولة نوعا ما يبدأها على النحو التالي : " تدعو بعض ممارسات مكتب التحقيقات الفدرالي الى السخرية، ويمكن أحيانا وصفها بالصبيانية. من بين القضايا التي أثيرت حول آينشتاين هي ما عـُرفَ باسم قضية " الرهينة ". يتعلق الأمر بأحد أبناء آينشتاين (أغفلوا حتى ذكر اسمه )، الذي قالوا بان المخابرات السوفيتية اختطفته في برلين ومن ثم نـُقـِل ًالى موسكو واحتجز كرهينة، كوسيلة للضغط على آينشتاين. وقد اتضح فيما بعد ان كل ما ذُكر بهذا الشأن كان مجرد قصة من نسج الخيال الاستخباراتي . قصة ملفقة أبدعتها مُخيلة زمرة من المخبرين المضللين ".

غير ان مثل هذه " الفبركات " لم تكن مقتصرة على آينشتاين وحده. لقد امتلئ ملف شارلي شابلن " بالكثير من القذارات والحماقات، إضافة الى الأكاذيب "، حسب تعبير المؤرخ ديفد روبنسون. ويروي فرانكلين فولسوم كيف ان مكتب التحقيقات الفدرالي في الثلاثينات - حين كان رئيس رابطة الكتاب الأمريكيين - كان يخلط بين ملفه وملف شخص آخر، لم يكن بينهما أية علاقة أو أي تشابه ، باستثناء شراكتهما بنفس الاسم. وشاعت بين الناس قصص عن " الرجل الخطأ " و " المرأة الخطأ "، وخاصة في أوساط " المُطارَدين الحمر ". وكان هؤلاء يشكلون الأهداف المفضلة للقائمين على حملة مكارثي – هوفر. وحسب تقرير أعده مكتب للدراسات العدلية ، رفيع المستوى، كانت المعلومات " المغلوطة " تشكل نحو( 50 % ) من المعلومات التي تم تجميعها من قبل م. ت.ف. وهذا يعني ان كل " حقيقة " من بين حقيقتين من " حقائق " مكتب التحقيقات كانت مُختلقة ولم يكن لها وجود أصلا.

لم يكن مكارثي، وهوفر وفريقهما يسعون من أجل دقة المعلومات التي يجمعوها عن زبائنهم المستهدفين. لقد كانا يسعيان الى تحقيق هدفين رئيسيين : الأول هو عزل قيادة اليسار المنظم – القيادات الشيوعية والمقريبين منهم في النقابات والمدارس والمؤسسات الأكاديمية والمسرح ، وشل الخط الثابت الذي كانت تنتهجه هذه القيادات. والهدف الثاني، وقد يكون الهدف الأكثر أهمية: بث الرعب عند بقية السكان وإجبار الناس على التزام الصمت، من الناحيتين الفكرية والعملية.

ما من شك ان اعتقال " الرجل الخطأ " ومضايقة الناس وبث الرعب بينهم، على أساس المعلومات المضللة، سيساعد على زرع الخوف من الحكومة في أذهان الأمريكيين. ان التأثير البشع الذي يتركه الأسلوب المتبع في مضايقة السكان بطريقة " الرجل الخطأ "، التي يعتمدها م.ت.ف. مشابه للأسلوب الذي تستخدمه قوى الشرطة عند اقتحامها المفاجئ للبيوت والشقق السكنية ،عن طريق " الخطأ "، وهي تبحث عن " مشتبه به ". حتى عندما يْقـَدَمْ الاعتذار لضحايا مثل هذه الغارات المخيفة، وحتى لو ان أصحاب الشقق التي خُلعَتْ أبوابها، سوف يعوضون بأبواب جديدة ، ( وهذا ما لا يحصل إلا في حالات نادرة جدا) ، فليس بوسع أي عدد من الأقفال الجديدة ان تنتزع الخوف من ضحايا مثل هذه المداهمات. وكان رون كيسلر قد وصف اسلوب هوفر في إرعاب السكان بـ " طريقة المكنسة الكهربائية " ، لأنه بهذه الطريقة يتم شفط كل من في الشقة أو في صالات الاجتماعات أو في القاعات، كما تَـَشفط المكنسة النفايات من الأرض. ويذكر الجنرال المتقاعد توم كلارك بشأن هوفر واسلوبه في التعامل مع المواطنين :

" كان هوفر يعترف أمام نفسه بأن 1 % فقط من الضحايا سيئون بالفعل، في حين يصرح علنا بان هذه النسبة تصل الى 10 %. وكان في العادة يبرر اسلوبه هذا بالعبارة التالية : " عليك ان تتذكر دائما انها كانت مجرد شلة صغيرة تلك التي أطاحت بالحكومة الروسية "!!

مع ان هوفر لم يكن يشعر بوخزة الضمير بسبب لا أخلاقية الطريقة التي يستخدمها، لكن الذي كان يطفو على السطح كان خلاف ذلك تماما. لقد كان يحرص دائما على تقديم وجهه الأفضل للناس، وكان يدرك مدى الحاجة الى واجهة ديمقراطية براقة – ما يزال هناك الملايين من الأمريكيين، وحتى المرعوبين منهم، يؤمنون بـمرسوم " إعلان الحقوق ". في شهر نيسان من عام 1950 قدم هوفر ( أو ربما المؤلف الذي كان يُملي عليه ) في مجلة ساندي تايمز صورة مثالية لمكتب التحقيقات الفدرالي بكونه المؤسسة الإنسانية الوديعة، لا بل والساهرة على حماية الحقوق الدستورية. ... و تصريحه الكلاسيكي، الذي سبق وأعلن عنه في وقت مبكر، خير مثال على ذلك، حيث أعلن : " أنا لا أرغب أن أكون جزء من أي فعل يمكن أن يشوه سمعة الناس الأبرياء... ". سبق ان رأينا كيف ان مدير مكتب التحقيقات قدم نفسه لقراء جريدة التايمس ، بصفته الرجل الجليل الوقور، البعيد عن الحقد وروحية الانتقام...

ولكن حتى مع القشرة الديمقراطية الملمعة التي يبدو بها هوفر أمام الجمهور، فان دور مكتب التحقيقات كقوة صدامية لم يكن يشكل، للمكارثية، سوى بداية سلسلة لاتنتهي من الاجراءات – ملاحقة الراديكاليين، توجيه التهم ، وزيارة المواقع التي يعملون فيها لمقابلة المسؤولين ، وإجبار الناس سرا على القبول بلعب دور المخبر السري ومراقبة أصدقائهم وزملائهم من السياسيين، والبحث والتنقيب في الأوراق الخاصة لمعرفة خلفية وسيرة حياة العاملين حاليا في الوظائف الحكومية ، ومن سوف يُعَيَن في المستقبل. وكل هذا من أجل الكشف عن أية مسحة خفيفة من اللون القرنفلي. وغالبا ما تتسبب " المكنسة الكهربائية " لمكتب التحقيقات الفدرالي بأضرار أكثر بكثير من تلك الأضرار التي تترتب على الاقتحام المفاجئ للشقة. لقد أحصت Schrecker في أحد مؤلفاتها ان " من بين 7667 حالة تحري قام بها م.ت.ف. كانت هناك ما يقرب من 500 حالة أنجزت بالفعل واتضح فيما بعد انها كانت تستند الى معلومات تخص الشخص الآخر، لا علاقة له بالشخص المعني ". وحتى لو بقيت اتهامات م.ت.ف. سرية، إلا ان ما سوف يترتب على " المتهم " بسبب خلط كهذا هو فصله من عمله...

غير ان لب المكارثية لم يكن يكمن في أخطاء العاملين في م.ت.ف.، بل على العكس، انه يكمن في عدم وجود الأخطاء، في حالة كان الأمر يتعلق باستهداف حملة الأفكار اليسارية. في الحالة التي أشرنا اليها آنفا كان تهديد سبعة آلاف إنسان وأكثر، بسبب انتماءاتهم وأفكارهم الراديكالية ، قد شكل الجور الأساسي الذي يكمن خلف هلع المجتمع الأمريكي في الخمسينات. لم يختار آينشتاين الحالات البسيطة المتعلقة بالتشخيصات الخاطئة ليعلن احتجاجه، بل تحدث عن آلاف الأشخاص من المفصولين والمسجونين الذين مثلوا أمام المحاكم، لكونهم من الراديكاليين، والاشتراكيين، وأحيانا من الشيوعيين. شخصيات مثل بيل فرانفكلاس، آل شاروتز، وجورج واشينيش – هؤلاء الذين رفضوا التخلي عن أفكارهم ليتحولوا الى مخبرين. أما في حالة آينشتاين، وبالرغم من طابعها الفاضح، لكنهم كانوا في مكتب هوفر يعرفون جيدا من هو المستهدف ولماذا هو مطارد. ان خروج آينشتاين عن " الجماعة " وخطه السياسي اليساري، إضافة الى شهرته العالمية، جعلت منه الخطر الأكبر الذي كان يهدد من كان يسعى لتحويل أمريكا الى أمة من الخراف السياسية.

2

هكذا، ترى ان غالبية الأمريكيين ليس لديها أية فكرة عن آينشتاين السياسي. تـُرى هل وقف آينشتاين الى جانب الكثير من المجموعات السياسية ، أو انه لم يقترب من أية مجموعة؟ لا شك ان أمر آينشتاين أمرُ مُحَير بالفعل! ها هو " شخصية القرن "، وعملاق التاريخ، كما وصفه البعض، يقف أمامنا ونحن نكاد نجهل من هو؛ الرجل الذي كان أشهر من سيف على علم، ويعرفه العالم بأسره، مع ذلك يبدو شخصا يكاد ان يكون مجهولا، لا أحد يعرفه فعليا حتى الآن .

لقد شكل الإرث السياسي لآينشتاين إشكالية تاريخية مزدوجة. كانت نزعته اليسارية تقلق هوفر كثيرا وشكلت مصدر ازعاج كامن له. ها هو رئيس مكتب التحقيقات يجد نفسه في مأزق. بعد ان جمع طنا من الوقائع والبيانات " الدامغة " كي " يـُثبـِتَ " ان آينشتاين، أخبر أحدهم، في يوم ما، بانه يقف الى جانب عدد كبير من التنظيمات الراديكالية ، أدرك انه لا يستطيع الإشهار بهذه المعلومات واستخدامها لإدانته علنا. وقد بلغ عدد التنظيمات الشيوعية العالمية التي اتهم بانه على علاقة سرية بها الى 32 منظمة. كان من الواضح ان الإقدام على إدانته ، بدون تقديم أدلة مهمة آخرى، إضافة الى تلك الأدلة التي فبركها مكتبه، ستكون مغامرة كبيرة، قد تترتب عليها مضاعفات غير محسوبة، ويصعب التنبؤ بعواقبها.. على سبيل المثال، كان غبى هوفر ومساعديه ان يفكروا مليا البحث عن " الأدلة الدامغة " للوصول الى ادانة مقنعة في قضية لا يمكن التهاون فيها، وهي توفير وابداع معلومات خطيرة عن ارتباط آينشتاين بدولة أجنبية، وحول نشاطاته التجسسية؛ بكل بساطة آينشتاين من أشهر الناس، ولا يوجد ما يجبره على إخفاء مواقفه السياسية، و تبرير معتقداته. سيختلف الوضع بالتأكيد عندما يتعلق الأمر بشخص آخر ممن يضعهم م.ت.ف. كهدف للمراقبة – معلم في مدرسة أو مسؤول نقابي يرفض التوقيع على " وثيقة الإخلاص " ( صك البراءة )، أو ممن يُشَكٌ بوجود علاقة لهم مع " الجبهة الحمراء ". أقل ما يمكن ان يواجه مثل هؤلاء هو الطرد من العمل. وهذا ما كان يحصل بالفعل. ولكن الأمر يختلف مع آينشتاين . كان هوفر يدرك جيدا ان آينشتاين كان يهدف من علاقاته مع المنظمات اليسارية ومن نشاطاته العلنية الى توظيف اسمه وهيبته لخدمة برامج وأهداف تلك التنظيمات. ولم يكن ذلك بالأمر الهين على هوفر إطلاقا.

لو إنك أمضيت عقودا من عمرك، كما فعل هوفر، في سبيل رش الطلاء الأحمر على مئات المنظمات، كي تبث الرعب في قلوب الناس لتبعدهم عنها، فانك لن تستسلم بسهولة بالتأكيد ولن تسمح بتسليم مكبرة الصوت بيد الشخصية الأكثرشهرة في أمريكا ليجاهر بتضامنه مع هذه المجموعات الخطرة. كان موقف آينشتاين يهدد بإبطال مفعول بعبع " الخطر الأحمر "، الذي تم إبتداعه بمهارة فائقة من قبل هوفر ومكارثي. حين يصرخ صبي صغير في وسط الحشد ليعلن ان الإمبراطور، في العرض الذي مر توا، كان عاريا فهو بلا شك لأمر سيئ بما فيه الكفاية. ولكن سيختلف الأمر كليا لو كان مرسل هذه الرسالة هو آينشتاين ؟

لقد زال الإلتباس وأصبحنا ندرك بشكل أفضل من السابق ما الذي يحصل : بعد كل ما قام به م.ت.ف. من جهد لجمع، وتصنيف وتوثيق ، للكشف عن علاقات آينشتاين مع " مجموعات الجبهة – الشيوعية " ، نرى أن هوفر لم يبدي أي اهتمام لتسريب المعلومات عن أي من هذه المواقف الى الصحافة . انه لم ولن يخاطر بمثل هذه الخطوة إلا اذا استطاع ان يتقدم خطوات في قضية العلاقة التجسسية.

الجزء الثاني من الإشكالية المزدوجة يكمن في ان معظم طلبة آينشتاين و جميع العلماء الذين أرًخوا لسيرة حياته كانوا ، كما يبدوا، مذعورين من " الهجمات الحمراء " التي يشنها هوفر، أكثر من آينشتاين نفسه. كان هؤلاء جميعا يخافون من ان يلطخ اسم آينشتاين، فيما لو عرف العالم، حقيقة وقوفه الى جانب اليسار. لذا كان لا بد من إسكاته، أو إرغامه على الصمت قدر المستطاع، والعمل على تقليص ارتباطاته " المثيرة للخلاف " أو إهمالها ، وخاصة مواقفه المناهضة العنصرية و علاقاته مع بعض التنظيمات اليسارية، مثل " مؤتمر الحقوق المدنية " و" أصدقاء فرقة لنكولن ". من ناحية أخرى نجد ان الإعلام والجمعيات العلمية والأكاديمية التزمت الصمت و لم تفعل سوى القليل، أوانها في واقع الأمر لم تفعل أي شيأ، من أجل تصحيح الوضع الذي نجم عن هذا الإهمال. فبالرغم من قامته العملاقة في التاريخ إلا ان آينشتاين عانى الكثير من قبل " الهوفرية " !!

يمكن للخلاف السياسي ان يلطخ أيقونة آينشتاين التي صنعتها مجلة التايمس، التي توقفنا عندها من قبل :

" ... بروفيسور حنون، شارد الذهن...بهالة من الشعر الأشعث، وعينان ثاقبتان...". و عندما نشرت مجلة Nova Special مقالة " آينشتاين يصرح " أسمته العبقرية الغيبية " ، فهي كانت، في الحقيقة، تبوح عن نفسها أكثر مما كانت تبوح عن آينشتاين. قد يضحك آينشتاين ساخرا وهو يقف حائرا أمام أمر حزين ،غير مفهوم : شخصية مثله اشتهرت عالميا بسبب نظريات، ما زال معظم الناس بعيدين كل البعد عن فهمها، لكنه يجد نفسه، نفس الوقت، مجهولا، غير معروف، بسبب نضاله المتواصل والعنيد من أجل نزع السلاح، ودفاعه عن الحقوق المدنية والحق في الاختلاف السياسي – وهي أمور يمكن لأي إنسان أن يتفهمها.

ربما مع نهاية الحرب الباردة أصبح الوقت ملائما لإحداث تغيير في ما يعتبر مسموحا به في السير الذات،ربما سيكون باستطاعة آينشتاين ان ينال فرصة ليصغي اليه الجمهور وهو يتحدث عن نشاطه السياسي في الدفاع عن قضايا غير مشهورة ...

سيكون من العدل فيما لو ان ملفات هوفر السرية تستطيع ان تخلق وعيا جديدا حول تفكير آينشتاين " الخطر "، من أجل مساعدة طلاب اليوم على اكتشاف كلمات هذا العالم، التي وجهها في عام 1931الى طلبة Caltech :

" ينبغي دائما ان يشكل الاهتمام بالإنسان ذاته وبما يؤمن به الهدف الرئيسي لجميع المنجزات التكنيكية. الاهتمام بالقضايا الكبرى التي لم تـُحَل بعد، والمتعلقة بتنظيم العمل وتوزيع الخيرات – بالشكل الذي تصبح فيه إبداعات عقولنا نعمة على الجنس البشري وليس لعنة. لا تنسى هذا أبدا وأنت بين رسوماتك ومعادلاتك ".

3

ان يحصل كل هذا - الحملة السرية للإفتراء على آينشتاين ومحاولة ترحيله – يشكل صدمة للعرف القائم. لقد استمرت تلك المحاولات لمدة خمس سنوات ، وكان من بينها محاولة جادة لنزع الجنسية عنه. كان هذا يشكل تحديا للتعليل العقلاني. ولكن أكثر الجوانب المرعبة في هذا الأمر هو التالي: من بين عشرين، أو ربما مئات من الأشخاص الذين كانوا على إطلاع بالمحاولات المعادية لآينشتاين – وثائق م.ت.ف. كانت تشترك مع المخابرات العسكرية ومكتب الهجرة والجنسية إضافة الى مخابرات القوات البحرية والقوات الجوية، المخابرات المركزية الأمريكية، وزارة الخارجية، وفي بعض الأحيان هيئة الطاقة الذرية – لم يُبْدِ أي إنسان إهتمامه، بما فيه الكفاية، ولم يبرز أي رجل شجاع بما فيه الكفاية، ليقول شيئا ، وينفخ بالبوق في ملف آينشتاين. نتمنا لو بوسعنا ان نٌصَدِق بأن مثل هذا العصر المرعب لن يتكرر ثانية.

قرأنا حديثا بعض الإشارات الصادرة عن مجموعة صغيرة من المؤرخين المحافظين، تتحدث عن النية في إعادة تقييم المكارثية، بالاتجاه الذي يعيد اليها الاعتبار، بالشكل الذي يبرز الدور التاريخي الذي لعبته، من أجل ان نكتشف بان ذلك الزمن لم يكن سيئا الى ذلك الحد، وانها – المكارثية – ساهمت بتقديم الكثير من القضايا الايجابة، ومن أجل تطهيرها سياسيا وتحريرها من محاولات التشويه التي أقدم عليها هؤلاء المخربون. والإشارات الأكثر جدية هي ان جثة المكارثية – الهوفرية التي ما زالت تتحرك قد بدأت بالظهور أيضا. والقضية الأكثر إثارة – وشؤما – هي قضية وين هو لي، عالم الذرة الأمريكي، من أصل صيني، الذي قيد بالأغلال وسجن وحجز في سجن انفرادي لمدة تسعة أشهر، وذلك اعتمادا ( بالدرجة الرئيسة ) على شهادة مزورة لفقها م.ت.ف. وقد اعترف عميل المكتب لاحقا ان شهادته لم تكن حقيقية. وكانت التهمة الموجهة اليه هي إفشاء الأسرار الذرية الأمريكية للصين... وقد أعلن المدعي العام ان إطلاق سراحه بكفالة قد يعرض حياة الملايين للخطر. بعد إطلاق سراحه ، وبعد ان أسقطت الحكومة جميع التهم التسع والخمسين - باستثناء تهمة واحدة - قدم القاضي الفدرالي باركر الاعتذار للعالم لي بسبب سوء تصرف الحكومة في القضية. هل كانت قضية مين هو لي مجرد قضية استثنائية، أم ان حالة واحدة يمكن أن تعيدنا الى رعب الخمسينات ؟ ربما.

وفي حالة أخرى، أقل شيوعا ( وربما لهذا السبب هي أكثر شؤما ) حاولت الحكومة في الوقت الحاضر إسكات الفيزيائي ثيودور بوستولÄ من جامعة MIT ، وهو أحد الذين انتقدوا إدارة بوش بسبب برنامج الصواريخ الدفاعية. كان بوستول قد نشر وثيقة غير محظورة عبر الانترنيت تتضمن دليل بشأن ادعاءات البنتاغون حول نجاحه في إطلاق صواريخ، معتمدا على بيانات رسالة دكتوراه . وقد هدد البنتاغون بالتراجع عن العقد المغري الموقع مع الجامعة، في حالة اذا لم توقف بوستول عن تسريب المعلومات المغرضة. وقد نشرت التهم مسبقا في الصفحة الأولى من مجلة نيويورك تايمس برواية وليم برواد. ..قبل شهرين من أحداث الحادي عشر من أيلول, وقبل ان تصبح " الحرب الأمريكية الجديدة " ، و " الأمن القومي " سلاح هذه البلاد المستخدم لإسكات المعارضة، كان فيكتور نافسكي، قد طرح قضية وين هو لي مع أحداث أخرى وأشار : هناك شيء ما في المزاج القومي، وهو البقايا المتخشبة من الجانب السفلي القبيح لعصر المكارثية ".

بغض النظر عما اذا كانت المكارثية تحاول ان تستعيد موقعها أم لا – ربما مقتنعة حقا بالحرب على الإرهاب – (*) لكن لو قدر لآينشتاين ان برى عالم اليوم، فانه سيتعرف على شلة أخرى من الأشباح القديمة. بشكل عام، لم تتغير ضحايا الظلم الاجتماعي كثيرا... وسوف يتألم كثيرا عندما يدرك كم هو ضئيل حجم التقدم الذي تحقق، ان كان قد حصل أي تقدم.

لكن، الشيء المضيء الذي ينبغي ان ينبثق من حياة آينشتاين السياسية – حتى وان كان المرء لا يتفق مع بعض تكتيكاته وحججه – هي صورة الإنسان الذي لم يكف عن المحاولة على الإطلاق، لم يتوقف أبدا عن السعي من أجل تحقيق الحرية، والمساواة والأخوة لكل فرد، وليس فقط لمن هو قادر على الدفع. قبل سنة من وفاته قال :

" جزء كبير من التاريخ مفعم بالكفاح من أجل حقوق الإنسان، وهو كفاح أزلي، ولن يتكلل بالنصر النهائي أبدا. ولكن أن تتعب وتكل من هذا الكفاح فهذا يعني دمار المجتمع ".

(*)
من يقدم الدعم المالي والمعنوي للإرهابيين متهم أيضا، مثل الإرهابيين أنفسهم. هذا ما قاله هنري كيسنجر، ليردده الرئيس بوش ومساعدوه. وقد عقب ادواردو جالينو على هذا الكلام بالقول : " اذا كان الأمر كما يطرحه كيسنجر...تقديم الدعم المالي والمعنوي، للإرهاب في أندونيسيا، كمبوديا، إيران، جنوب أفريقيا، بنغلادش ودول أمريكا الجنوبية التي قاست من حرب بان كوندور القذرة... توجد أرضية مشتركة واسعة بين الإرهاب ذو التكنولوجيا المتطورة والإرهاب ذو التكنولوجيا المتخلفة. كلاهما يزدري الحياة الإنسانية. ان قتلة 5500 انسان تحت أنقاض البرجين التوأمين وقتلة 200000 مواطن غواتيمالي، الذين كانت غالبيتهم من السكان الأصليين، والذين تمت إبادتهم بدون يعير لهم الاعلام العالمي أي إهتمام. هؤلاء الغواتيماليون لم يـُقدموا قرابين من قبل أي مسلم متعصب، بل قتلوا من قبل الزمر الإرهابية، التي تلقت " الدعم " المالي والمعنوي، من حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة.



آينشتاين! الوجه المجهول - قراءة في كتاب  - الحلقة الاولى








 


 

free web counter